د.أحمد جميل عزم

أطراف "مشهد نابلس"

تم نشره في الاثنين 22 آب / أغسطس 2016. 11:06 مـساءً

أعتمد في هذا المقال على تحليل مضمون التغطيات الإخبارية، والبيانات الرسمية والأهلية، لما يحدث في مدينة نابلس، شمال فلسطين، واضعاً جانباً الأحاديث المتداولة، والأنباء القادمة عبر مطلعين أو متابعين للحدث هناك. ومثل هذا التحليل يهدف إلى فهم جزء من المشهد الفلسطيني، يتعدى في مدلولاته مدينة بعينها. وأهم ما يمكن ملاحظته هو كيف توارت الفصائل الفلسطينية، ومنها حركة "فتح"، من المشهد. وكذلك توارى الاحتلال ولم يعد يذكر تقريبا، وبات الأمر: مطلوبون خارجون عن القانون، وأجهزة أمنية ورسمية، وعائلات ووجهاء وأعيان.
بينما كان أهالي نابلس، والأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967 عموماً، منشغلة بإرهاصات الانتخابات البلدية، وعملية إعداد قوائم انتخابية، بدأت أحداث أخرى مساء الخميس الماضي، تمثلت في مقتل عنصرين من أجهزة الأمن الفلسطينية، دخلا البلدة القديمة في المدينة، ضمن مهمة للتفتيش عن مطلوبين جنائيين، أو للتحقيق في عملية إطلاق نار حصلت هناك. وفي اليوم التالي (صباح الجمعة)، قُتل مطلوبان للأجهزة الأمنية.
في الإثر، حدثت جهود كبيرة لاحتواء الموقف، وكذلك لتوضيحه، ووضعه في سياقه.
إذا ما بحثنا في الأنباء والبيانات الرسمية وبيانات عائلات وأهالٍ في نابلس، سنجد الأمر موضوعاً في إطار مجموعات شبان، يحملون السلاح، ويمارسون نشاطات خارجة عن القانون، أقلها حمل السلاح لأغراض غير سياسية، وغير وطنية. والملاحظة هنا، أنّ لا أحد من أطراف المشهد في نابلس، أو حتى القوى السياسية الفلسطينية، ادعى أنّ الأمر له علاقة بالسياسة أو المقاومة. وهذا تطور جديد إلى حد كبير. فحتى عندما وقعت صدامات في مخيم بلاطة القريب من نابلس، في الأعوام الأخيرة، كان هناك من يربط بين الخلافات وبعض الارتباطات السياسية وحتى الوطنية. لكن هذا اختفى، وهناك اتفاق وتسليم أنّ الأمر لا علاقة له بأي دوافع وطنية أو سياسية، حتى إن كان بعض الشبان المتورطين لهم ماضٍ سياسي أو وطني.
يترافق حسم القضية وبأنها ليست سياسية، مع غياب، تقريباً، للحديث عن دور لفصائل أو حركة وطنية، في محاولة لملمة الصفوف (كما كان الأمر في الماضي)، باستثناء الحديث عن مشاركة شخصيات تنتمي لمنظمة التحرير الفلسطينية وأطرها، وأعضاء في المجلس الثوري لحركة "فتح"، في اجتماعات خاصة برأب الصدع. ولكن الأطراف الأساسية في الموضوع باتت، أولا، شبانا مسلحين؛ وثانيا، عائلاتهم التي تنتصر لهم ولكن من دون معاداة الأجهزة الأمنية و"السلطة"؛ بل يؤكدون على دورها حتى في حالة جرى التشكيك بروايتها للأحداث، وثالثا، أجهزة رسمية. وهذا الأمر يؤكد واقع الحياة السياسية الفلسطينية، بعد أكثر من عشرين عاما على تشكيل السلطة الفلسطينية؛ إذ تراجعت الفصائل والحركة الوطنية في الحياة اليومية، لصالح المجتمع التقليدي (العائلات والعشائر والوجهاء)، ولصالح المؤسسة البيروقراطية والأمنية الرسمية. وكان بروز الفصائل فقط في الهامش، وفي المطالبة -مثلا- بتأجيل انتخابات بلدية نابلس، أو الانتخابات عموما، بذريعة الوضع الأمني.
بالمثل، لم تكن هناك إشارة للاحتلال، إلا من زاوية تلميحات بأنّه لولا تسهيل أو اتفاق المصلحة الإسرائيلية مع وجود هذه الأسلحة والمجموعات، لما حدث ما حدث.
هذا الغياب للمضمون الوطني والسياسي المباشر من المشهد، وهذا التحول في صورة ودور ومفهوم السلاح في المشهد الفلسطيني، من مقاومة الاحتلال، إلى كل من الاستقواء الفئوي، المختلط بصراعات القوة بين العائلات والأفراد، وبمطالب ونشاطات جنائية وخارجة عن القانون، من جهة، وبضبط الأمن الداخلي الفلسطيني، كأولوية أولى وشبه وحيدة، للقوات الفلسطينية، من جهة أخرى، فيهما تعبير عن أزمة العمل الفلسطيني عموماً (غياب الحركة الوطنية الجامعة والفاعلة والجاذبة)، وتحديداً عدم القدرة على توحيد الطاقات الفلسطينية، خلف برنامج شعبي وجماهيري، سياسي وطني واضح، يضع إنهاء الاحتلال هدفا أول، ويجعل الصدام اليومي (بأنواع الصدام المختلف) مع الاحتلال مقدساً ومقدماً على أي تناقض أو تنافس ثانوي آخر.
سواء كان المسلحون تورطوا بنشاط جرمي، أو حاولوا انتزاع مكاسب شخصية، من السلطة أو المجتمع، بالقوة، فإنهم كما الانتخابات البلدية، وصراع التقاسم السياسي للسلطة بين الفصائل، وخلافات الشخصيات السياسية، وحتى الموضوعات النقابية والمطلبية الحياتية، مظاهر للانقسام والانشغال بالداخل، على حساب مواجهة الهجوم الإسرائيلي الاستيطاني الكاسح.
بات المشهد فلسطينيا-فلسطينيا، وليس فلسطينيا-إسرائيليا!

التعليق