سائد كراجة

شعارات بطعم الفراغ

تم نشره في الثلاثاء 30 آب / أغسطس 2016. 11:03 مـساءً

"لا للفساد، نعم لإصلاح التعليم، فلسطين عربية، القدس للعرب، المرأة نصف المجتمع، الحق أبلج"... هذه أبوصطيف شعارات مشابهة لشعارات أصحابك المرشحين. والصراحة أنها شعارات عبقرية، عابرة للحدود، تستطيع استخدامها في أي انتخابات في المنطقة؛ في موريتانيا، لبنان، فلسطين، وحتى في الكونغو "بتنفع". وحيث إننا نعاني من وضع اقتصاديٍّ صعب، فمن المفيد -أبوصطيف- تحويل هذه الموهبة الرّبانية إلى "بزنس"، وتصدير هذه الخدمة لشعوب العالم. بعدين -أبوصطيف- أي مواطن عادي عندما يفكر لحظة بوضع البلد الاقتصادي وحجم البطالة، بالتأكيد تغشاه الكآبة "من وين جايبين السادة المرشحين هذه الابتسامات الهوليودية؟"، كأن أغلبهم في دعاية لمعجون أسنان!
"ما تزعل مني أبوصطيف"، ومع أنني ضد المقاطعة، وسوف أنتخب أفضل الموجود، لكنني في حالة إحباط شديد من أداء المرشحين، لأن الأردن غير موجود في حملات المرشحين، وغير حاضر في أدائهم الانتخابي. طبعاً، معروف أن للأردن بعدا قوميا وعالميا، وأن قضية فلسطين مثلا هي قضية جوهرية للشعب والدولة، لكن أيضاً لا يجوز أن تستعمل هذه الشعارات الفضفاضة لتغطية عجزنا عن التصدي لقضايا الأردن والمواطن الأردني اليومية.
أبوصطيف، البرنامج الانتخابي يختلف عن خطبة الجمعة. البرنامج الانتخابي خطة عمل في قضية وطنية أو قضية تخص الدائرة الانتخابية على الأقل، حيث يكون البرنامج موجهاً لحل مشكلة أو تطوير شأن عام على نحو يمكن قياس نتائجه. الأصل أن المرشح في الدائرة يطرح قضايا عملية يومية، مثلاً؛ زيادة عدد الحدائق في دائرته، زيادة عدد حضانات الأطفال ذات المستوى المحترم وبكلفة تقدر عليها المرأة العاملة؛ أو أن تتبنى قائمة عملية ترشيق وتفعيل القطاع العام بخطة مدروسة زمنياً ومكانياً. ماذا عن تبني مشروع قطار يربط شمال المملكة بجنوبها؟ ماذا عن محاربة التهرب الضريبي؟ ماذا عن مكافحة تدخين الشباب للأرجيلة؟ ماذا عن وقف التحرش في الجامعات؟ ماذا عن محاربة العنصرية في الرياضة؟ ماذا عن رفع سن الزواج؟ ماذا عن إعادة هيكلة التلفزيون؟ ماذا عن تبني مشروع لتصليح الطريق الصحراوي وتفعيله تجاريا لمحاربة البطالة في الجنوب؟ طبعا، هذه المشاريع يجب أن تكون مدروسة ماليا وعمليا، وبطريقة قابلة للقياس. "بدك تقلي شو خليت للحكومة؟". هذه هي المصيبة؛ أن الناخب "زي حضرتك" والمرشح ينسيان أنه من خلال فوزه في مقعد البرلمان يشكل مشروع حكومة في "الدوار الرابع"!
أبوصطيف، ليس صحيحاً أن مهمة البرلمان التشريع والرقابة فقط؛ البرلمان، حسب الدستور الأردني، يحكم، بمعنى أن هؤلاء المرشحين يمثلون مشروعا لتشكيل حكومة. "بدك تقلي ما عندهم وقت!". ولكن، أين الخمسون حزباً؟ أين هي برامجهم؟ هذه الانتخابات فيها تعرية فاضحة لفشل الأحزاب! حتى الإخوان المسلمون، ومع إعجابي بجدّهم واجتهادهم، فإن جمهورهم هو جمهور عقائدي وليس جمهورا سياسيا، ناهيك عن أنه ليس لهم برنامج سياسي أردني واضح، وأتحدى أن يطرحوا أي برنامج تفصيلي للقضاء على البطالة أو إصلاح التعليم.
غياب الأردن في حملات المرشحين، وغياب طرح حلول لمشاركة المواطن الناخب، فيهما استخفاف بالناخبين، أبوصطيف. هذه الانتخابات أقامت أمامنا أهمية العمل الحزبي الجاد، وأظهرت هشاشة الائتلافات الانتخابية وفشلها. وهذا الفشل يُعزى بالدرجة الأولى إلى حداثة قانون الانتخاب وقانون الأحزاب. ومع أن المشرع وضع قوانين جيدة نظرياً، لكن تطبيقها الناجح يتطلب بيئة حزبية فاعلة ودائمة في المجتمع، وإن أول ما يجب أن نفعله بعد يوم الاقتراع هو أن نضع على الطاولة خطة عملية وطنية لتفعيل دور الأحزاب ودعمها، باعتبارها مؤسسات وطنية؛ وأن ندعو لمؤتمر عام لمحاولة دمج الأحزاب القائمة، ومساعدتها فنياً في تطوير برامج واضحة دقيقة لمواجهة مشاكل الوطن، ولبناء مستقبله. بغير ذلك، ستظل الانتخابات فزعة موسمية بطعم الفراغ، والأهم من ذلك أن نكهتها ليست أردنية!

التعليق