حلم الدولة آخذ في الابتعاد عن "داعش"

تم نشره في السبت 3 أيلول / سبتمبر 2016. 12:06 صباحاً

هآرتس

تسفي برئيل

2/9/2016

إن قتل أبو محمد العدناني في هذا الاسبوع، متحدث داعش، والذي كان مسؤولا عن نشاطها في سورية، لا يقضي على المنظمة القتالية، لكنه يسهم في تقليص الصف القيادي رفيع المستوى فيها. اذا كان يمكن اعتبار ما ينشره داعش تعبيرا عن مزاجه، فان اعلان موت العدناني في القصف الجوي الامريكي، يكشف عن خيبة الأمل، وطبيعة الاستراتيجية القادمة له ايضا. "هل تعتقدين يا امريكا أن انتصارك سيتم من خلال قتل قائد واحد أو أكثر. هذا انتصار مزيف. هل انتصرت امريكا عندما قتلت أبو مصعب (الزرقاوي، قائد القاعدة في العراق) أو أبو حمزة أو اسامة بن لادن؟ هل ستنتصر ايضا بعد أن قتلت عمر الشيشاني وفلان أو علان؟ هل تعتقدين يا أميركا أن هزيمتنا ستكون بسبب فقدان مدينة أو منطقة جغرافية؟ هل هزمنا عندما فقدنا مناطق في العراق وبقينا في الصحراء بدون مدينة أو ارض؟ هل سنهزم اذا أُخذت منا الموصل أو الرقة أو كل المدن، وعدنا الى نقطة البداية؟ الهزيمة هي فقدان الرغبة في القتال".
هذا هو الاعلان الاستثنائي الذي يهدف، ليس فقط الى رفع معنويات المقاتلين، بل ايضا الاعداد لـ "الخسارة" القادمة التي يتوقعها داعش. اضافة الى ذلك، هذا يشير الى استعداد المنظمة لتغيير استراتيجيتها التي ميزتها منذ بدأت حملة الاحتلالات في سورية والعراق في حزيران 2014. التجديد الاساسي الذي قدمه داعش في حينه هو السيطرة على مناطق كبيرة في العراق وسورية، وانشاء تواصل جغرافي واعتباره "داعش" في ادارة تلك المدن والمناطق وكأنها دولة، وتشغيل مصادر التمويل غير الاعتيادية مثل بيع النفط، والعمل الزراعي وجباية الضرائب والرسوم، وتشغيل جهاز دعائي ناجع ومهني لم يكن مثله من قبل. عندما يتحدث داعش عن نقطة البداية، فهو يعود الى الفترة التي كان فيها منظمة صغيرة ودموية في العراق. ويمكن ايضا الى الفترة التي كان فيها جزءًا لا يتجزأ من القاعدة في العراق.
هذا ليس بعد اعلان استسلام أو اعتراف بالفشل، ولكن بعد أن سيطر الاكراد في سورية على مدينة منبج، وبعد ذلك سيطر الاتراك والجيش السوري الحر بدون معركة على مدينة جرابلس وسيطروا على منطقة تبلغ مساحتها 400 كم على طول حدود سورية الشمالية، بعد أن حررت مدينتي الرمادي والفالوجة في العراق، وهناك تحضيرات لاحتلال الموصل والرقة، فان داعش يقوم باستنتاج الدروس. من يبحث عن علامات اخرى للتحول المتوقع في مكانة المنظمة يمكنه ايجادها في الصراعات التي تحدث بين مواليه وبين من انشقوا عنه، خصوصا بين مليشيات عراقية وقبائل سنية في العراق بخصوص توزيع الغنائم عند سقوط الموصل. لم تعد هذه صراعات محلية مثل تلك التي حدثت في محيط مدينة دير الزور، في شمال شرق سورية، في الاسبوع الماضي، أو في مدينة حويجة في العراق، أو بين جهاديين تونسيين ونشطاء من دول ليست عربية على خلفية تصفية الحسابات الداخلية، الآن ايضا في قيادة داعش لا يوجد هدوء.
أحد الصراعات المعروفة أكثر حدثت بين العدناني (اسمه الكامل: طه صبحي فلاحة) وبين أبو لقمان (علي موسى الشواخ) حول ادارة المعارك في سورية. العدناني من مواليد ادلب في شمال سورية، وكان سجينا في السابق عدة سنوات في العراق، وتم التحقيق معه من قبل القوات الامريكية بسبب عضويته في القاعدة. وبعد اطلاق سراحه من السجن في 2010 انضم مجددا الى صفوف القاعدة ومنها انتقل الى داعش وعمل تحت إمرة أبو عمر البغدادي. وتم ارساله الى سورية من قبل وريث أبو عمر، أبو بكر البغدادي، القائد الحالي لداعش. ومعه ذهب الى سورية ايضا أبو محمد الجولاني، الذي أقام منظمة جبهة النصرة التي تحولت مع مرور الوقت الى أحد خصوم داعش.
تم تعيين العدناني متحدثا باسم داعش كله، وألقيت عليه مهمة ادارة نشاط المنظمة خارج الدول العربية، ومن ضمن ذلك التخطيط للعمليات في اوروبا. وعندما أصيب البغدادي بالقصف الجوي قبل عام تم ذكر اسم العدناني كأحد المرشحين لخلافته. ولكن ليس مرشحا مركزيا لأنه لا يعتبر صاحب تعليم ديني كاف. اضافة الى العدناني ذُكر أبو لقمان لمنصب حاكم الرقة، عاصمة "داعش". وقبل نحو اربعة اشهر، بعد معارك شديدة بين داعش والاكراد في شمال الرقة، قرر البغدادي نقل أبو لقمان الى العراق، ومنح العدناني مسؤولية النشاط التنفيذي في ارجاء سورية.
  ثقب أسود في سورية
  حسب اقوال منشقين عن داعش، فإن عملية الاستبدال لم تتم في سورية بسبب الفشل العسكري لأبو لقمان فقط، بل على خلفية الخلافات بينه وبين العدناني وبسبب الاشتباه بأن أبو لقمان يبني لنفسه مركز قوة قد يهدد البغدادي. بقي قائد داعش الآن مع القليل من القادة رفيعي المستوى الذين يمكنه أن يثق بولائهم. ولكن اذا زادت هزائم داعش وخصوصا اذا تم تحرير الموصل والرقة، فيتوقع أن ينشأ صراع داخلي كبير، حيث يمكن أن تقوم هيئة القيادة بتصفية الحساب مع البغدادي الى درجة إقالته. وفي نفس الوقت ليس من الواضح كيف سيتصرف المتطوعون من الخارج، لا سيما من الشيشان ودول القفقاص، اذا شعروا أن داعش بدأ بالانهيار. عدد كبير من هؤلاء المتطوعين يرتبطون بمنظمات راديكالية تعمل في القفقاص ضد روسيا حيث يوجد لهم مكان يعودون اليه. وفي المقابل، المتطوعون السوريون والعراقيون الذين يشكلون اغلبية نشطاء داعش، سيضطرون الى ايجاد ملجأ، سواء في الدول العربية الاخرى مثل ليبيا أو اليمن، أو اقامة منظمات ارهابية جديدة تعمل ضد النظام الذي سيقام في سورية وضد حكومة العراق. هكذا يتحول داعش الى قوة اخرى في الساحة السورية والعراقية وهو لن يكون قادرا على حسم المعركة، لكن يمكنه التسبب بالقتل والدمار.
لحسن حظ داعش، ليس هو فقط الغارق في الصراعات الداخلية. فالمليشيات السورية والاكراد والامريكيون والعراقيون والايرانيون والاتراك ايضا محبوسون داخل دائرة سحرية لا يمكن التحرر منها. هكذا تجد نفسها واشنطن تلعب دور شرطي المرور في ظل عدم وجود حركة، وتلوح بيدها في جميع الاتجاهات. قبل اسبوع فقط هدد جون كيري الاكراد كي لا يتجرأوا على اجتياز نهر الفرات وأمرهم بالتراجع من منبج. المديح الذي كالته الولايات المتحدة للعملية التركية في شمال سورية، اضطرت الى بلعه خلال فترة قصيرة بعد أن اتضح لها أن الخطة لا تسير حسب الصيغة التي تحدثت عنها أنقرة. إلا أنه يوجد فرق بين كبح الاكراد وبين كبح الجيش التركي الذي يستمر في التوجه جنوبا من اجل اقامة منطقة عازلة في الاراضي السورية. الولايات المتحدة تريد القضاء على داعش، أما تركيا فتريد القضاء على داعش والاكراد. هذه الطموحات متناقضة، لأنه من اجل القضاء على داعش هناك حاجة للاعتماد على الاكراد.
صحيح أن داعش تراجع، لكن من الذي سيسيطر على المناطق التي تركها؟ الاكراد؟ لا سمح الله، هذا يعني اقامة كانتون كردي مستقل في شمال سورية. المليشيات السورية؟ بالطبع لا، لأن بشار الاسد حينها سينتصر. الى هذا الفراغ يدخل الاتراك. وبدون وجود صيغة لانهاء الازمة أو المرحلة التي تليها، يمكن أن تكون المرحلة القادمة تشبه ما حدث في العراق بعد انسحاب القوات الامريكية في 2011 – حرب اهلية. لكن ذلك لن يكون في اهتمام واشنطن أو روسيا مثلما لم يكن العراق يعني داعش الى أن احتل مناطق منه.
التجربة من الساحة اللبنانية والافغانية، اليمن وليبيا والعراق، تشير الى أن الحرب الاهلية ليست جبهة مغلقة، بل هي ثقب اسود يجذب إليه قوات خارجية ويبتلعها. إن تطور كهذا هو خطير أكثر من الوضع الراهن في سورية، حيث أنه ما زال هناك تعاون في مستوى معين بين القوى العظمى والدول التي تشارك في الحرب. والى ذلك ينضم السؤال المتكدر حول هوية الرئيس أو الرئيسة القادمة للولايات المتحدة: هل هيلاري كلينتون ستقلص الخسائر وتسحب يدها من سورية وتعطي روسيا المجال لادارة الساحة بشكل منفرد، على حساب الضربة في الساحة الجماهيرية الدولية. أم أن دونالد ترامب، الانفصالي، سيقوم بهذا العمل للولايات المتحدة.

التعليق