‘‘اعتزال فيسبوك‘‘.. أشخاص يختارون الابتعاد عن صخب العالم الافتراضي

تم نشره في الاثنين 5 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

تغريد السعايدة

عمان- “سوف أعتزل فيسبوك.. ربما للأبد وأعتذر لكل من أزعجته”، ما بين الحين والآخر نقرأ هذه العبارات لأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي، والذين يغادرون لأسباب عدة قد يذكرها البعض وآخرون يبقونها “سراً”.
وعلقت ندى على سبب تركها لصفحة “فيسبوك” الخاصة بها، والتي أنشأتها منذ ما يقارب الخمس سنوات، قائلة “ضوضاء فيسبوك أثرت عليّ سلبا.. وعلى صفحتي شخصيات تلقي بمزاجيتها علينا من خلال التعليقات والمنشورات”، لذلك فضلت أن تتصفح فقط الصفحات الإخبارية، وما ينشره الأصدقاء والمعارف.
وتقول ندى، إن كثيرا من الصفحات العامة أصبحت مصدر قلق وإزعاج لها من خلال الأخبار التي تُبث كل لحظة، بالإضافة إلى نشر الكثيرين صورا ومقاطع فيديو “وحشية في بعضها”، وذلك جعلها تفقد رغبتها بتصفح “فيسبوك”، وأغلقت حسابها بشكل كامل، على الرغم من اعتيادها عليه لفترة طويلة.
وفي الوقت ذاته، تؤكد عنود موسى أنها تشعر بالكثير من الفراغ خلال جلوسها في وقت الاستراحة ما بين الحين والآخر، فقد كانت تتصفح “فيسبوك” بشكل يومي ولساعات أحياناً، إلا أنها أغلقت حسابها بسبب بعض “المشاكل الخاصة” التي حدثت معها في الفترة الأخيرة.
ولكن لم تزل عنود تشعر بالرغبة للعودة إلى عالم “فيسبوك” الافتراضي، الذي لطالما نشرت فيه العديد من الأحداث اليومية التي تتعلق بذكرياتها في الجامعة ومع صديقاتها وعائلتها، لكن هذا العالم، كما تقول، أمسى مصدر إزعاج لها في الفترة الأخيرة، ولم تعد قادرة على التوافق ما بين حياتها اليومية الواقعية وما بين العالم الافتراضي المليء بالأشخاص الذين “قد يفرضون أنفسهم علينا”، على حد تعبيرها.
ولكن عنود لم تكن الوحيدة التي قررت “اعتزال فيسبوك”، فقد قررت ذلك بالتزامن مع صديقتها المقربة سارة، والتي عملت على إغلاق كامل لصفحتها، وأعلنت ذلك من خلال المنشور الأخير الذي قامت بكتابته، وقدمت اعتذارها للجميع وأنها “شعرت بالكثير من السعادة والمشاعر الجميلة التي عايشتها مع أصدقاء العالم الافتراضي، إلا أنها لم تعد قادرة على الاستمرار في تقبل بعض المتطفلين والأخبار غير الواقعية”.
وتقول سارة إنها تشعر ببعض الراحة الآن لابتعادها عن “فيسبوك”، وعن الأسماء الوهمية والتعليقات غير المناسبة والتدخلات التي يقحمها البعض فيها، عدا عن المجموعات التي تجد نفسها فيها بدون معرفة وسابق إنذار.
وفي دراسة تم نشرها عبر مواقع عدة على الإنترنت، فقد تبين أن هناك بعض “التصرفات” المزعجة التي يقوم بها بعض الأشخاص، وأهمها كما كشفت الدراسة هو “الإفراط في المشاركات، ونشر الصور المشتركة بدون إذن مسبق، وحتى الشعور بالغيرة”.
ووفقاً لهذه الدراسة، فإن حوالي 36 بالمائة من مستخدمي “فيسبوك” لا يحبون الإفراط في المشاركات التي يقوم بها بعض أصدقائهم، أو نشر كل تفاصيل حياتهم على الموقع الاجتماعي. وقال المشاركون إنهم يكرهون بشدة ما يقوم به بعض الأصدقاء من مشاركة للكثير من المعلومات عن أنفسهم وحياتهم في شريط أحدث الأخبار.
أما ثاني أكثر شيء أزعج المستخدمين، فكان مشاركة الأصدقاء للصور والمعلومات الشخصية بدون الحصول على إذن مسبق منهم، ويعد خيار “تاغ” الأكثر إزعاجا على موقع “فيسبوك”؛ حيث تقوم مجموعة كبيرة من المستخدمين بوضع قيود على هذه المشاركات.
كما وجدت الدراسة أيضا أن مستخدمي “فيسبوك” غالبا ما يشعرون بالغيرة عندما يرون أصدقاءهم يقومون بأنشطة اجتماعية مختلفة، لم يكونوا مشاركين بها، بينما قال 5 بالمائة فقط من الذين شملهم الاستطلاع إنهم لم يشعروا بالقلق من عدم مشاركتهم في تلك الأنشطة.
وتشير آخر البيانات الصادرة عن “فيسبوك” في العام 2015، إلى مدى التزايد الكبير لقاعدة مستخدمي الشبكة بمقدار 165 مليون مستخدم، وبنسبة تصل إلى 13 %، خلال فترة عام.
وعبر إحدى الصفحات على “فيسبوك”، كتب أحد الأشخاص المعلقين على حالة أحدهم ممن قرر مغادرة “فيسبوك” بأنه إذا أراد أحدهم اعتزال “فيسبوك” فعليه أن “يخرج بصمت، وألا يكتب مقالا يعزي فيه نفسه ثم ينتظر ردود الأصدقاء ثم يغلق الحساب وسرعان ما يعود إليه.. فإذا كنت حقا تريد مغادرته، فالأولى بك بل ومن الواجب عليك أن تحذف حسابك حذفا جذريا لا يمكنك الرجوع إليه. وتبدأ حياتك من جديد من دون فيسبوك”.
وعلق منتصر عز الدين على هذا القول بأن العودة أو ترك “فيسبوك” هو حرية شخصية للإنسان، فقد يتركه لفترة من الوقت بناءً على ظروف خاصة به، ويعود بعد ذلك بعد انتهاء تلك العوائق، لذلك لا يجب علينا أن نبالغ في وصف حالة الإنسان حين يغادر عالما افتراضيا.
ويبين عز الدين أنه يعرف شخصياً العديد من أصدقائه ممن تركوا “فيسبوك” سواء مؤقتاً أو إلى الأبد، وبالفعل قد تكون الأسباب عادية فقط بسبب الانشغال بالحياة اليومية والعمل، أو حتى الزواج والأبناء.
من جهته، يرى أخصائي علم الاجتماع سري ناصر، أن “فيسبوك” هو جزء لا يتجزأ من التكنولوجيا، والبعض لا يمكنهم الاستغناء عنه؛ حيث غزا العالم وبات الإنسان يعتمد عليه بشكل كلي في كل تفاصيل حياته.
لذلك، يشير ناصر إلى أن الفرد حين يغادر عالماً واسعاً فيه الكثير من التفاصيل، سيشعر بالضياع لفترة من الوقت، بعد أن اعتاد على أن يكون فيه منفتحاً ويشعر بالفضاء الرحب والواسع للتعبير عن كل ما يجول في خاطره بدون قيود أحياناً. لذلك يحتاج شخص في مثل هذه الحالة إلى فترة من الوقت للاعتياد على الواقع اليومي.
ويبرر ناصر أن الكثير من مشتركي مواقع التواصل الاجتماعي يجدون في فضاء “فيسبوك” ملجأً وهروباً من حياتهم الومية، بعيداً عن تفاصيل الواقع، التي قد تكون مؤلمة للبعض، فيلجأون للعالم الافتراضي، لافتا الى أن الإنسان ينحاز بشكل كبير جداً نحو الحياة التكنولوجية بكل تفاصيلها بعيداً عن الواقع، ولا يمكن التكهن بالنتائج بعد ذلك.
ومن الناحية النفسية، ترى الأخصائية النفسية والأسرية الدكتورة خولة السعايدة، أن الانشغال كثيراً بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي من شأنه أن يجعل الإنسان شارد الذهن، ومتغيبا عن واقعه الاجتماعي الحقيقي والأسري كذلك، ويمكن أن يكون له تأثيرات سلبية على الفرد ومن يعيشون معه.
لذلك من المهم جداً أن يكون هناك “اعتدال في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي”، أو كما يفعل البعض من مقاطعة تلك المواقع الاجتماعية والاكتفاء بتصفح مواقع معينة.

التعليق