فهد الخيطان

قبل أن يولد مجتمع المخدرات

تم نشره في السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016. 12:09 صباحاً

لا يمر يوم من دون أن تعلن قوات حرس الحدود عن إحباط محاولة لتهريب المخدرات للأردن عن طريق الحدود السورية. الفوضى في سورية جعلت منها ميدانا خصبا لتجار المخدرات، ومركز عمليات لشبكات التهريب العالمية. ولا أظن أن دولة في العالم تواجه خطر تجارة المخدرات حاليا مثل الأردن.
استهدف الأردن من قبل تجار الموت، ليس لكونه سوقا جاذبة ومجدية، بل لأنه بوابة رئيسة لأسواق غنية، تدر الملايين على المهربين.
لكن رغم الطوق العسكري المحكم على الحدود مع سورية، والرقابة الشديدة من طرف إدارة مكافحة المخدرات على المعابر البرية والجوية للمملكة، ما يزال بمقدور تجار المخدرات أن ينفذوا إلى الأردن.
منذ يومين فقط، أعلنت "مكافحة المخدرات" عن ضبط أكثر من 13 مليون حبة "كبتاغون" في أحد منازل العاصمة، تم إدخالها للمملكة في وقت سابق، وكانت معدة للتهريب لدول مجاورة على ما أفاد بيان "المكافحة".
وقبل هذا الإعلان بأسبوعين تقريبا، شنت إدارة مكافحة المخدرات حملة تفتيش في عدة محافظات، ضبط خلالها نحو 350 مروجا ومتعاطيا في غضون ثلاثة أيام.
لا شك أن أرقاما كهذه تبعث على القلق الشديد، وتعطي الدليل على أن الأردن صار سوقا وليس مجرد معبر للمخدرات. وهذا ليس بالأمر المستغرب؛ فمع الانتعاش الظاهر في تجارة المخدرات نتيجة حالة عدم الاستقرار في دول مجاورة، لا بد أن تتسرب كميات من المخدرات للسوق الأردنية.
علينا، أولا، أن نصارح أنفسنا بهذه الحقيقة. وثمة أدلة متواترة يوميا على انتشار مرعب للمخدرات، بكل أنواعها، بين أوساط الشباب وفي جميع المحافظات. ويروي شهود عيان في أكثر من مدينة وجامعة قصصا تفصيلية عن تجارة تبدو في بعض الحالات شبه علنية لمواد مخدرة، كالحشيشة والحبوب القاتلة، وما بات يعرف بـ"الجوكر".
وبنظرة سريعة لملفات المحاكم، وروايات مواطنين قلقين، وعشرات القصص المأساوية عن شباب وشابات سقطوا في الفخ، يخلص المرء إلى قرب ولادة ما يمكن تسميته "مجتمع المخدرات" في الأردن، على غرار دول استوطنت فيها هذه الآفة، وتحولت إلى واقع تقرّ بوجوده السلطات، لا بل وتتعامل معه.
لا نريد أن نصل لهذه المرحلة في الأردن. أشعر وكأننا على عتبتها، لكن ما تزال أمامنا فرصة لتجنب دخولها. لأننا إذا ما قبلنا بها، فلن نخرج منها أبدا.
المنطقة من حولنا ليست مرشحة للاستقرار في وقت قريب. والحرب مع تجار المخدرات على الحدود ستستمر لسنوات. لكننا في نهاية المطاف دولة محاطة بالأزمات من كل الاتجاهات، ومهما بذلنا من جهود فلن نتمكن من تحقيق علامة كاملة، في ظل عدم وجود شركاء فاعلين على الطرف الآخر من حدودنا مع أكثر من بلد.
المواجهة، إذن، مفروضة علينا في الداخل. إدارة مكافحة المخدرات تملك من الخبرة والإرادة الكثير، وتعمل بأقصى طاقتها. لكن الخطر يتعاظم، ولا بد من التفكير بطرق خلاقة لدعم المديرية. على سبيل المثال، البحث بإمكانية تحويلها إلى جهاز مستقل للمكافحة على غرار دول عديدة في العالم، وزيادة عديد كوادرها، وميزانيتها، ودعمها بالتجهيزات الفنية والتقنية المطلوبة. والعمل على بناء شبكة اجتماعية من المتعاونين على كل المستويات، للتبليغ عن الحالات المشتبه بها، والتدخل السريع لإنقاذها قبل أن تبلغ نقطة اللاعودة.
وفي الاتجاه نفسه، التوسع في بناء المراكز الطبية المتخصصة في علاج الإدمان، وتجهيز وحدات مصغرة في المحافظات.
خطر المخدرات لا يقل أبدا عن خطر الإرهاب، لا بل إن كل المؤشرات تقول إنه التهديد الأكبر الذي يواجهنا في المستقبل.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تغليظ العقوبه (عمر بشير)

    السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016.
    تغليظ العقوبه ( الاعدام) على التجار خطوه اولى للقضاء على هذه الافه مع عدم الاهتمام على مهزله منظمات حقوق الانسان التي تعارض عقوبه الاعدام.
  • »الإعلام ...محير (انس)

    السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016.
    علينا أن نبرز وتعزز إنجازات الرجال في ادارة مكافحة المخدرات ونركز الاحتراف الواضح في عملهم وعلى الجانب الإيجابي
  • »عن تصنيف المخدرات... (أحمد العربي - عمان)

    السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016.
    مع اهمية ما قدمه الاستاذ المحترم عن خطر المخدرات باعتبارها التهديد المستقبلي الاكبر وان خطرها لا يقل عن خطر الارهاب, فان تسويق وتجارة المخدرت ربما ليست معزولة عن الحاضنة الام وهي قضيةالفساد بل هي واحدة من ملفاته في الاطار الشمولي, واذا ما صح هذا الاستنتاج فان الحرب على الفساد يتضمن فيما يتضمن الحرب على المخدرات . كذلك ومع تاثيرات " انفلات " الامن في بعض دول الجوار وما يتضمنه هذا الامر من اخطار متعددة بينها خطر المخدرات , فان عودة التنسيق بيننا وبين السلطات المركزية في دول الجوار ربما يشكل مقدمة صحيحة لمواجهة الارهاب والمخدرات ايضا كواحدة من مدلولات الفساد , مع ملاحظة الانشطة المحلية في تلك التجارة السوداء ويكفي مراجعة تقارير الامهال من السلطة القضائية للاسماء المتورطة وهي في غالبها ومع الاسف من بين ظهرانينا , اضافة الى الملاحقات الامنية النشطة لزراعة تلك الافة في بعض المناطق والنجاحات في اقتلاعها ليؤكد بعض الحجم لمحلية المشكلة . اخيرا فان وصول تلك الافة الى الشباب وخاصة في الجامعات يدق ناقوس الخطر مما يتطلب وعلى ما اعتقد التاكد من مصادرالترويج كواحدة من علامات الفساد الذي يتطلب العقاب بما فيه سياسة الفضح على غرار قرارات الامهال سالفة الذكر خاصة اذا ثبت مسؤولية بعض " القطط السمان" التي تبغي الثروة دون حساب لدمار البشر.اما المراكز العلاجية فهي فقط لمن تم التغرير بهم من قبل تجار الفساد.
  • »لا تهاون (محمود هياجنة)

    السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016.
    المسألة بغاية الخطورة......لا يجب التهاون إطلاقا. . العمل الأول لجهاز الأمن العام يجب أن ينصب على اجراءات المكافحة.......لسنا بحاجة الآن لا لشرطة بيئية ولا لشرطةمجتمعية نحن بحاجة لمضاعفة إعداد أفراد المكافحة لكي يضيوا الخناق على هؤلاء الإرهابيين فهذا العبث المدمر لعقول الابناء هو الارهاب الحقيقي أما الإرهاب المتعارف علية فهو أقل خطرا على الأقل لأنه ضاهر للعيان وهناك جهد دولي وعالمي للقضاء علية.
  • »تجارب اخرى (بهاء جابر)

    السبت 10 أيلول / سبتمبر 2016.
    اتمنى من كاتبنا العزيز ان يسلط الضوء على تجارب الدول الاخرى في التعاطي مع هذا الخطر المزمن. هولندا مثلا, نحت منحا غريبا (وشجاعا وفق رأي البعض) عندما لم تجرم التعاطي المجرد للانواع الخفيفة وسمحت بفتح مقاهي لهذه الغاية. بالمقابل, اثبتت هذه الطريقة نجاحها عندما ابعدت المراهقين عن تجار المخدرات المجرمين وانخفضت نسبة المتعاطين على قاعدة ان المرغوب هو الممنوع فقط. ارى انها طريقة منطقية تتيح للجهاز وقتا هو بأمس الحاجه له لملاحقة التجار والناقلين مع التشدد بالعقوبة عليهم طبعا. استاذ فهد بحكم تجربتي كمحام. لمست فعلا ان السواد الاعظم من القضايا المنظورة لدى المحاكم تعود لمراهقين وصغار وطلاب جامعة وهؤلاء في نظري ضحايا لا مجرمين.