‘‘التعليم‘‘.. وظيفة ‘‘الخيار الوحيد‘‘ تحتاج لنهضة وتأهيل

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

مجد جابر

عمان- “ماذا نتوقع إن كان خمسون بالمائة من معلمينا اختاروا مهنة التعليم، لأنها كانت أفضل المتاح أو الخيار الوحيد؟”، هذا ما أكدته جلالة الملكة رانيا العبدالله في كلمة لها خلال حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية فيما يخص المعلمين.
وأضافت جلالة الملكة رانيا “ماذا نتوقع وثلث المعلمين فقط في الأردن تخصصوا في التربية... أما الباقي فنضعهم اليوم في مقدمة الصف بشهادات مثل العلوم أو الرياضيات أو اللغة العربية، لكن بدون أن نوفر لهم أي تدريب نوعي يذكر على كيفية التعليم”.
حديث جلالة الملكة رانيا العبدالله على هذا الصعيد أحدث ثورة في أهمية الالتفات إلى ضرورة أن يختار خريجو الثانوية العامة مهنة التدريس عن حب ورغبة، وليس فقط اختيارها كونها التخصص المتاح، أو كون المعلم يحصل على امتيازات معينة وعلى رأسها الحصول على إجازات طويلة خلال العام.
وهنالك بعض المعلمين في الميدان ممن اختاروا هذه المهنة لأسباب بعيدة عن الرغبة والحب، فالثلاثينية عائشة حمد اختارت مهنة التدريس التي أتمت حتى الآن 5 سنوات من العمل فيها، لأنها المهنة الوحيدة التي يسمح والدها وأشقاؤها الالتحاق بها، وغير ذلك عليها الجلوس في البيت وكأنها لم تحصل على شهادة جامعية.
عائشة التي كانت ترغب بدراسة تخصص الهندسة لحبها الكبير لها وحصولها على معدل مرتفع في الثانوية العامة، دفعها رفض عائلتها لهذا التخصص للالتحاق بكلية التربية، وبعد حصولها على شهادة البكالوريوس التحقت بسلك التعليم في إحدى المدارس الحكومية، والآن ليس لديها أي حب للمهنة، إلا أنها اعتادت عليها وعلى ساعات الدوام والعطل، خصوصاً عطلة ما بين الفصلين والعطلة الصيفية.
هند علي هي الأخرى اختارت كلية التربية بدون أي تفكير أو رغبة لديها بذلك، سوى أن معدلها لم يمكنها من دخول تخصص آخر، وحصلت على شهادة البكالوريوس في التربية، وكان نصيبها أن حصلت على وظيفة معلمة مرحلة أساسية في إحدى المدارس المجاورة لبيتها.
وتؤكد هند أنها حتى الآن لا تحبذ التدريس، خصوصاً وأنها سرعان ما تتوتر من الطلبة، موضحة “في النهاية هي وظيفة أقضي بها ساعات عمل قليلة، وأحصل على راتب جيد، وبالمجمل هي أفضل من الجلوس بالبيت بدون عمل”.
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير التربوي الدكتور ذوقان عبيدات “أن هناك طبقة معينة في المجتمع تجعل الفتاة تتوجه إلى التدريس وأن تصبح معلمة كون قيم هذه المهنة تتناسب وقيمهم”، إلى جانب أن أصحاب المعدلات المتدنية الذين لا يتاح لهم تخصصات أخرى، يتوجهون لكلية التربية.
ويردف “إلى جانب أن المجتمع كذلك لا يعطي هيبة للمعلم، لذلك فإن المطلوب هو أن يصبح التعليم مهنة لها رتبها وأخلاقياتها ليصبح كل شخص يسعى لأن يكون معلما”.
في حين تذهب عضو مجلس الأعيان الأردني ومدير عام المدرسة الأهلية للبنات ومدرسة المطران للبنين ورئيسة اللجنة الفنية لجوائز الملكة رانيا العبدالله للمعلم والمدير المتميز هيفاء النجار، إلى أن الحالة التي نحن بها الآن سببها أنه لم يتم استقطاب الأشخاص الذين لديهم شغف في التعليم، وبالتالي هناك ثقب في الكفاءات وفي الإيمان بالمهنة وعدم وجود تدريب للمعلمين، مبينة أنه يجب أن لا يدخل أحد هذه المهنة من دون أن يكون هناك معايير عالية خضع لها، وحتى بعد دخوله لا بد أن يستمر العمل على تطويره، وخلق ثقافة تعلم دائمة ومستمرة، وإيجاد برامج واضحة في الجامعات، فيها تدريب وإعداد وتأهيل للمعلمين وبكل ما يتصل بالمعلم.
وتؤكد النجار ضرورة العمل على أكثر من محور وأكثر من جانب، وتحويل المدارس لمؤسسات تعليمية يتم فيها دمج المدرسة مع المجتمع، بحيث تصبح القضية وحدة وطنية وتفاعل من قبل كل المجتمع لرفع سوية التعليم.
وفي رأي عبيدات أنه عادة ما يقال إن مهنة التدريس لا تجذب كفاءات متميزة، وهذا صحيح وشائع في كل أنحاء العالم “فالمعلمون محافظون تقليديون، لذلك التربية على مدى تاريخها لم تحرز تقدما يذكر”.
وكل المهن تطورت، بحسب عبيدات، إلا المعلمين لم يتطوروا وما يزالون يملكون الأدوات نفسها ويستخدمون التلقين، مشيرا إلى أن المطلوب مهنة جاذبة، بحيث يكون للتعليم رتب ومستويات حتى يصبح لدى المعلمين حافز، مبيناً أن المعلم صاحب الخبرة يمارس الدور نفسه الذي يمارسه معلم جديد والمسؤوليات نفسها لمن لديهم خبرات.
ووظيفة التعليم حالياً، من وجهة نظر عبيدات، يستطيع أي شخص القيام بها سواء تخرج من كلية التربية أم لا، كون المعلمين لا يملكون مهارات خاصة بهم، وبغياب المهارات لا يشعر الواحد بتمييز مختلف عن غيره.
ولا بد للمعلم قبل دخول التعليم، كما يقول، أن يكتسب مهارات تميزه عن غيره، فمثلا لو تعلم المعلمون مهارات تدريس التفكير أو التنبؤ والتخطيط، وكيفية بناء شخصية الطلاب وكيفية محاورتهم، مبينا أنه حتى الآن لا يعرف المعلم كيفية إدارة حوار مع الطلاب.
ومن أجل الارتقاء بمهنة التعليم، يشدد عبيدات على ضرورة تحسين بيئة المدرسة، كونها بيئة ضاغطة للمعلم وأعمالهم مرهقة، وليس لديهم خصوصية.
في حين تؤكد النجار أهمية استقطاب النوعية بكل ما تعنيها الكلمة من معنى إلى مهنة التعليم، وتحديدا حملة الفكر والقيم، ليكونوا نماذج عقلانية إنسانية حتى لو جاؤوا من مهن وتخصصات مختلفة، وهذا ما يجب العمل عليه بشكل عملي لمستقبل أفضل في التعليم.
وركزت جلالة الملكة رانيا العبدالله أيضا في كلمتها على أهمية تأهيل المعلمين وتدريبهم؛ حيث قالت “نريد معلمين مؤهلين.. لذا نتعاون اليوم مع وزارة التربية والتعليم والجامعة الأردنية وأكاديمية تدريب المعلمين لإنشاء كلية لتأهيل المعلمين وتدريبهم لمدة عام قبل دخولهم الصفوف. ليقفوا في أول الصف جاهزين وواثقين بأن لديهم ما يلزم من العلم والمهارات لتعليم أجيال الأردن”.

[email protected]

التعليق