مقترح تخفيض ضريبة المبيعات في الأردن: هل النتائج مضمونة؟

تم نشره في الاثنين 10 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

د. جمال الحمصي*

عمان- تزايد الاهتمام الإعلامي والشعبي بتوجهات حكومية تقضي بإجراء تخفيض عام لضريبة المبيعات، إلى جانب تدابير تمويلية للمشاريع الصغيرة والمتوسطة والريادية في الأردن. الغاية النهائية من هذه الحزمة هي تشجيع الاستثمار الإنتاجي وتحسين الأداء الاقتصادي العام.
لا شك بأن التفكير الجاد بضرورة تبني تدابير جديدة وقوية ومنسقة لتحفيز الاقتصاد الوطني ككل ضمن أطر تقع "خارج الصندوق" يعتبر أمراً حرجاً في المرحلة الحالية، في ضوء استمرار الضعف في معدلات النمو (نحو 2.5 % في أحسن الأحوال) والحاجة لتوفير فرص عمل لأعداد متزايدة من خريجي مؤسسات التعليم العالي في المملكة ومن المتعطلين الجدد بسبب استمرار التباطؤ (تتطلب نمواً لا يقل عن 6.0 %).
تاريخياً، ساهم المعدل العالي لضريبة المبيعات والعبء الضريبي المرتفع عموماً في إضعاف الطلب المحلي من خلال تقليص القوة الشرائية للقطاع الأسري ولقطاع الأعمال لصالح القطاع العام (الموازنة الحكومية). وزاد الأمر سوءاً التراجع الحاد مؤخراً في الطلب الإقليمي لأسباب معروفة.
لكن السؤال الأساسي: هل إجراء تخفيض معتدل (بحدود 3-4 نقاط مئوية من أصل 16 %) سيكون كافياً، وسيحدث التأثير الإيجابي المطلوب في الطلب المحلي، وبالتالي الاستثمار والتوظيف والنمو في ظل البيئة الإقليمية الراهنة؟ أم أن تخفيض ضريبة المبيعات ليس له تأثيرات إيجابية معاكسة في الاتجاه ومساوية في المقدار للتأثيرات السلبية المتحققة عن رفع ضريبة المبيعات فيما مضى؟
وبصورة مختلفة عن آراء بعض "الماليين"، فإن تحفظي الأساسي على مقترح التخفيض الضريبي ليس منصباً على هبوط الإيرادات الضريبية، بل في تحقق النتائج التنموية المتوخاة، والمتمثلة في إنعاش الاقتصاد الوطني، وبالتالي تحسن الإيرادات الحكومية كناتج ثانوي مرغوب.
بداية، فإن توقع الأثر الكامل (المباشر وغير المباشر) للمقترح يصعب الإحاطة به بدقة بصورة مسبقة وقبل اتخاذ القرار، على عكس ادعاء المختصين في تحليل السياسة الاقتصادية والنماذج الاقتصادية القياسية المعقدة. فالأثر الكامل يعتمد في نهاية المطاف على درجة استجابة القطاع الخاص والقطاع العائلي للتخفيض الضريبي. والبديل السريع للدراسات الاقتصادية المتقدمة والمكلفة (نماذج المحاكاة والتوازن العام) هو في استقصاء الدروس الماضية لإجراءات مماثلة أو مشابهة، ولحسن الحظ لدينا "تجارب اقتصادية" قريبة.
ففي 14/10/2015، اتخذت الحكومة قراراً بتخفيض الضريبة العامة والخاصة والتعرفة الجمركية على عدد من السلع هي الأحذية والألبسة والمنتجات الجلدية والمستحضرات التجميلية، لكن تم إلغاؤه بعد نحو ثمانية أشهر وبشكل مفاجئ. الأسباب الرسمية عزت الإلغاء إلى عدم تحقق النتائج المتوخاة في إنعاش القطاع الخاص من خلال تمرير هذه التخفيضات الضريبية إلى المستهلك النهائي. وحدث هذا التسلسل رغم أن التخفيض في معدل ضريبة المبيعات كان بنسبة كبيرة (50 %)، مقابل نسبة أقل بوضوح في حالة المقترح الجديد قيد البحث.
ما الذي حدث؟ ولماذا لم يستجب النشاط الاقتصادي في القطاعات المذكورة للتحفيز الضريبي؟ الذي حدث –حسب الرواية الأولية- ان المنتج والمستورد لم يخفض أسعار المستهلك للمنتجات السابقة، كما كان متوقعاً، وبالتالي لم ينتعش الطلب المحلي (وفقاً لقانون الطلب المعروف)، ولم يزد النشاط والتشغيل.
ففي حالة عدم استجابة أسعار السلع والخدمات للتخفيضات الضريبية من خلال تراجع هذه الأسعار، فهذا يعني تحويل هذه التخفيضات –جزئياً أو كلياً- الى ربح اضافي للتجار والمنتجين الصناعيين (او تعويض لخسائر سابقة).
عدم الاستجابة تدلل على تأثير مركب لـ3 عوامل محتملة: وجود هيكل سوق غير تنافسي في القطاعات المستهدفة، ووجود مخزونات كبيرة لدى منشآت هذه القطاعات نتيجة لضعف النشاط التراكمي، وسيادة قناعة لدى منشآت القطاع الخاص في القطاعات المتأثرة بأن التخفيضات مؤقتة ولا تستحق تخفيض الأسعار. هنا فشلت الحوافز الضريبية حسب توصيات اقتصاديات جانب العرض بسبب طبيعة هيكل الأسواق وضعف المصداقية. ففي القطاعات والأنشطة التي يغلب عليها غياب المنافسة الفعالة ومرونة الأسعار وتسود فيها مؤشرات الاحتكار والمغالاة في الأسعار، تكون الأسعار مرنة بشكل ميسّر نحو الأعلى وجامدة عموماً نحو الأسفل. في هذه الأسواق، فإن محصلة الإجراءات الضريبية لن تنعكس بالشكل المتوخى على أسعار السلع والخدمات، وبالتالي لن تنتعش القوة الشرائية للأسر ولن يزيد طلبها ولن توظف المنشآت الخاصة القائمة قوى عاملة وطنية جديدة. أفضل ما يمكن ان يحصل هنا هو: تحفيز منشآت جديدة للدخول إلى القطاع من خلال تبنيها استراتيجية تسعيرية مغرية للزبائن.
أما في حالة المنشآت والمشاريع القائمة، فإن التخوف أن يتحول الاجراء الحكومي إلى مجرد تحويلات من القطاع العام الى قطاع الأعمال، دون ان تتحسن معيشة الطبقة الوسطى والقطاع العائلي العريض. هذا السيناريو المحتمل -ان تحقق في معظم القطاعات الخاضعة للتخفيض الضريبي- فإنه سيقلل من المنافع المتوخاة للقرار إلى حد كبير، وبهذا ستتأثر الموازنة العامة ولن ينتعش النمو الاقتصادي. وستتأثر العدالة التوزيعية إذا كان إلغاء الإعفاء من ضريبة المبيعات يتركز في سلع أساسية وضرورية. ربما الدرس الأساسي الأهم لهذا المقال هو أولوية حوكمة الأسواق وأهمية تفعيل قانون المنافسة.

*خبير اقتصادي

التعليق