العشق الممنوع

تم نشره في الثلاثاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

هآرتس

يوسي ملمان

11/10/2016

توجد دول وتوجد دول. توجد دول لا تخجل من الاعتذار عن جرائم الماضي التي ارتكبتها، وتحاول اصلاح الجور وتعويض الضحايا أو عائلاتهم، حتى وان كان بتأخير عشرات أو مئات السنين. ألمانيا، التي يعد التزامها بأمن اسرائيل حجر أساس في سياستها الخارجية، هي مثال بارز. الولايات المتحدة، استراليا ونيوزيلندا أيضا، التي أعربت عن الندم وتحاول إعادة تأهيل السكان الاصليين لديها على مئات سني السلب، الطرد والتمييز، هي من النوع الأول. في 1956 عرف حتى زعيم الحزب الشيوعي نيكيتا خورتشوف كيف يندد بسلفه، الطاغية الوحشي جوسيف ستالين، على جرائمه في الاتحاد السوفياتي.
بالمقابل، تركيا، التي تمتنع عن الاعتراف بمسؤوليتها عن كارثة الأرمن وتحاول الصراع ضد كل من ينتقدها على ذلك، هي من النوع الثاني: دول تتنكر لمسؤوليتها عن جرائم الماضي وترفض الاعتراف بها. لشدة الأسف اسرائيل هي الاخرى تنتمي الى ذات النوع، ومثل الأخريات، هي ايضا تمارس مفاعيل القمع، الكبت للذاكرة وإعادة كتابة التاريخ.
 مفعال واحد هو الرقابة العسكرية، التي تمنع نشر مظالم الماضي – قتل الاسرى، طرد السكان، عمليات سرية، علاقات مع تجار مخدرات وغيره. اسرائيل، من خلال الوزارات الحكومية والاجهزة التابعة لها او بتكليف منها، تستخدم أيضا آلات الدعاية للتعليم وإعادة كتابة تاريخ ماضيها.
 شيء ما كان لينقص من كرامتها، مكانتها الدولية ووضعها الأخلاقي في العالم، لو كان العكس، لو كانت تعترف بأنه في غمرة الحرب التي فرضت عليها في 1948 من جانب الحاضرة الفلسطينية والدول العربية، كانت ضالعة أيضا في طرد مئات الاف المواطنين. كان يمكن لاسرائيل أن تعترف بانه في تلك الحرب، التي كانت من ناحيتها عادلة، ارتكبت أيضا أفعال فظيعة. مثل هذا الاعتراف بمسؤوليتها الجزئية (الى جانب حقيقة أن مئات الاف الفلسطينيين تركوا بيوتهم طواعية أو لانهم استجابوا لتعليمات زعمائهم) كان يمكن له ربما أن يساعد ولو بقليل في تطهير الاجواء وتخفيض مستوى الكراهية بيننا وبين الفلسطينيين. وحتى لو لم يكن هذ سيدفع الى الامام التفاهم بين الشعبين، فإن إسرائيل كانت ستحظى بالاحترام والتقدير في الاسرة الدولية على استقامتها، صدقها وحساسيتها التاريخية.
ولكن دعنا من حرب التحرير، التي تلمس أحداثها الاعصاب الاكثر انكشافا للنزاع الاسرائيلي – العربي. توجد أحداث موضع جدال أقل، واضح منها من هو الخير ومن هو الشرير.
خذوا مثلا علاقات اسرائيل – جنوب افريقيا. في السبعينيات والثمانينيات أدارت اسرائيل قصة عشق معيبة مع نظام الأبرتهايد لحكم الاقلية البيضاء، الذي قمع، ظلم، أهان، عذب وميز ضد الاغلبية السوداء. كانت اسرائيل بين الدول القليلة في العالم التي دعمت نظام الأبرتهايد، أقامت معه علاقات أمنية، باعته السلاح والتكنولوجيا وتعاونت معه في مجال النووي. هذه العلاقة غير المقدسة بين دولة الناجين من الكارثة والمستوطنين الافارقة العنصريين، هي من الفصول المعيبة في سياسة الخارجية والأمن الإسرائيلية. وحتى اليوم لم تكلف اسرائيل نفسها عناء الاعتذار أو إبداء الندم على افعالها. وفي أقصى الاحوال شرح الناطقون الرسميون بلسانها بان العلاقة، التي سميت ايضا "حلف المنبوذين"، كانت واجبة الواقع وخدمت مصالح اسرائيل الأمنية.
كانت لإسرائيل قصص غرام أخرى مشينة مع دكتاتوريين في افريقيا وفي وسط وجنوب افريقيا وارتكبوا مذابح وقمعوا ابناء شعبهم. ولم تمنع افعالهم اسرائيل من ان تبيعهم السلاح وترشد سرايا الموت لديهم.
في العقد الاخير وإن كانت اسرائيل تحاول تغيير نهجها والنظر ليس فقط في اعتبارات المصالح الضيقة بل وأن تحقن بعضا من الاخلاق – القليلة جدا للأسف – في سياستها الخارجية. وعليه فإن ما نشر في "هآرتس" في أيلول بأن اسرائيل أصبحت مروجة في الولايات المتحدة وفي الدول الغربية لنظام القمع والقتل في السودان، ينبغي أن يهز ضمير كل إسرائيلي.
في السودان يحكم بيد من حديد منذ نحو 30 سنة عمر البشير الذي صعد الى الحكم في انقلاب عسكري. وفي الماضي استضاف كبير المخربين، المجنون كارلوس الى أن سلمه لفرنسا. ومنح ملجأ لاسامة بن لادن وعصابة القاعدة خاصته، والذين قصفتهم صواريخ أميركية. وفر قواعد في بلاده للحرس الثوري الايراني (مقابل النفط)، وسمح لهم بتخزين السلاح وتهريبه لمنظمات في غزة. لم تتردد اسرائيل منذ 2009 في القصف في السودان هذه المخازن وقوافل السلاح. ولعل أهم من كل شيء هو أن الحاكم السوداني ارتكب من خلال جيشه ومليشياته مذبحة شعب في دارفور. ولهذا السبب فقد أعلنت عنه محكمة الجنايات الدولية في لاهاي "مجرم حرب" يتوجب تقديمه الى المحاكمة.
ومع ذلك، قررت إسرائيل تجاهل كل أعمال الفظاعة، فقط بسبب حقيقة أنه في السنتين الاخيرتين أدار البشير ظهره لايران، قطع الاتصال معها وارتبط بالتحالف السني بقيادة السعودية التي تقاتل في الحرب الاهلية في اليمن ضد الشيعة وايران. اما الترويج الاسرائيلي، باسم "الواقعة السياسية"، فهي وصمة عار اخرى بشعة على الضمير الإسرائيلي واليهودي، على المعايير الدولية وعلى قيم الثقافة والديمقراطية التي تدعي اسرائيل التباهي بها.
المذهل هو أن هذه الافعال لحكومة اسرائيل تتم في دولة يزعم أنها تقدس كل سنة في شهر تشرين، اكثر من كل دولة ودين آخرين، قيم الاعتذار والمغفرة وطهارة الروح، ليس فقط بين الانسان والمكان بل وبالاساس بين الإنسان والإنسان، ممن خلقهم الرب جميعهم على صورته.

التعليق