جميل النمري

إنتاج السعادة

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:08 مـساءً

الخبر من السويد، وهو أن تخفيض عدد ساعات العمل إلى 6 ساعات يوميا اقترن بزيادة في الإنتاجية، وفي السعادة أيضا. والموضوع ليس جديدا؛ فهناك عدة شركات ومؤسسات بادرت ذاتيا إلى اعتماد يوم عمل من 6 ساعات من دون خفض الرواتب. ومصانع "تويوتا" في غوتنبرغ فعلت ذلك منذ 13 عاما. وخلال العام الماضي، بقيت وسائل الإعلام تتناقل خبر هذا التحول الذي يروج لصورة السويد المتقدمة والحريصة على إسعاد شعبها، مع أنني أثناء البحث قرأت خبرا على لسان الحكومة ينفي أن قرارا رسميا صدر بتطبيق خفض عدد ساعات العمل على القطاع العام، أو أن ثمة نية للتقدم إلى البرلمان بمشروع كهذا. مع ذلك، استمر الحديث عن تخفيض ساعات العمل إلى 6 ساعات.
وقبل أيام، رددت وكالات أنباء أن شركات في السويد، ومؤسسات ومستشفيات، تتجه إلى خفض عدد ساعات العمل لزيادة الإنتاجية، وجعل موظفيها أكثر سعادة. ولم نعدم، من جهة أخرى، خبرا عن مؤسسة لرعاية المسنين طبقت النظام العام الماضي، وقالت إن النتيجة لم تكن مشجعة؛ إذ لم تُلمس زيادة في الإنتاجية، ولا انخفاض في الطلب على الإجازات المرضية.
طبعا السويد -إلى جانب الدول الاسكندنافية، وهولندا وأيسلندا وسويسرا واستراليا وكندا- تقع ضمن المراتب العشر الأولى في مؤشر السعادة، حسب التقارير السنوية التي تصدر عن برنامج التنمية المستدامة للأمم المتحدة. وهذا العام، احتلت الدنمارك المركز الأول في مؤشر السعادة.
صحيح أن مفهوم السعادة ملتبس. لكن مهما فلسفنا الأمر، فهو يتعلق، في النهاية، بالرفاه. ويعتمد التقرير 38 مؤشرا مختلفا، مثل الرعاية الصحية، والضمان الاجتماعي، والأجور، ومستوى المعيشة والخدمات، والنظام السياسي، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان والحريات الشخصية، والفساد. وهذه المؤشرات ليست بمعزل عن بعضها؛ فكل منها يفضي إلى الآخر ويؤثر عليه سلبا أو إيجابا. ولا نغفل أن ثمة في الغرب وفي الشرق الأقصى ما يطلق عليه ظاهرة إدمان العمل. وفي اليابان هناك ظاهرة العجز عن التصرف بأوقات الفراغ والإجازات، حيث يفضل عاملون التخلي طوعا عن إجازاتهم السنوية. وفي كوريا الجنوبية، يزيد عدد ساعات العمل السنوية على 2300 ساعة، مقابل 1300 ساعة في السويد. لكن اليابان، وهي من أكثر الاقتصادات تقدما، تحتل الموقع 53 على مؤشر السعادة، بينما يحتل الأردن الموقع 80 في الجدول نفسه.
أنا أصدق أن تخفيض ساعات الدوام اليومي في أي وظيفة، في القطاع العام أو الخاص، يمكن أن يقلل الكلفة ويزيد الإنتاجية ويبث الرضا والسعادة؛ إذ يمكن للإنسان أن يمتلك مزيدا من الوقت لممارسة أي نشاط حر، بما في ذلك أنشطة تعود بمردود إضافي، أو حتى أعمال تطوعية تجلب الرضا والسرور.
ليس واردا بالطبع أن نذهب في الأردن إلى يوم عمل من 6 ساعات، مع أنني أفكر لو أن بعض المؤسسات الريادية تجرب ذلك ونرى النتيجة. إنما لدينا أولويات أخرى كثيرة نعمل من أجلها قبل ذلك، منها رفع الحد الأدنى للأجور الذي تفاوضنا عليه مع الحكومة أواخر عمر البرلمان السابق ولم نصل إلى نتيجة، لأن أرباب العمل يرون أن رفع الحد الأدنى للأجور (طلبنا رفعه من 190 إلى 250 دينارا) مكلف كثيرا، ويضرب تنافسية الشركات، وهناك شكوى دائمة في القطاعين العام والخاص من انخفاض إنتاجية العاملين وروح الولاء للعمل وللمؤسسة.
طبعا، الأولوية بالنسبة لاقتصاد ضعيف ومتعثر هو رفع الإنتاجية، أكان في القطاع العام أم الخاص، لكن كيف؟ نريد أن نرى تفكيرا وجهدا إبداعيين بهذا الاتجاه.

التعليق