محمد برهومة

البديل عن منطق "عالمٌ ليس لنا"

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:02 مـساءً


تنبّهت دول عربية منذ زمن إلى أهمية تنويع الشراكات الاستراتيجية مع القوى الدولية. وهي أهمية أصبحت أكثر إلحاحاً مع ثلاث وقائع: الأولى، أحداث أيلول (سبتمبر) 2001. والثانية، أحداث "الربيع العربي". والثالثة، توقيع الاتفاق النووي الإيراني. لكنّ هذا التنبّه لم يشتغل بالكفاءة المطلوبة، وظل يعاني اختلالات بنيوية أضعفت ثماره وشككت في جدواه، ما أوقع هذه الدول في "حيرة استراتيجية" حيال ما يتوافر أمامها من خيارات وبدائل.
"الحيرة الاستراتيجية" بدأت مع تحولات التقدير الاستراتيجي الأميركي تجاه الشرق الأوسط، فلم تتكيف الدول العربية، وخاصة دول الخليج، مع فكرة أن الالتزام الأميركي تجاه أمن أصدقائها في المنطقة غير خاضعٍ لمعاهدات دفاعية تصل حدّ "التحالف"، بل هو "شراكة" وصلت مع ظروف الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي وموقع الشرق الأوسط والخليج في هذه الحرب، ومع اعتماد أميركا على نفط الخليج وقبل إسقاط نظام صدام حسين، إلى صيغة قريبة إلى "التحالف"، لكنها لم تكن تحالفاً بالمعنى الدقيق وشروطه، كما ظنّت دول الخليج.
وظهرت الاختلالات البنيوية العربية في مقاربة تنويع الشراكات الاستراتيجية مع التوجّه نحو روسيا. وجرى التساؤل الحائر كيف أنّ هذا التوجّه نحو موسكو بالاستثمارات والصفقات والزيارات على أعلى المستويات لم يلعب دوراً في منع التقارب الروسي-الإيراني، ولم يكبح موسكو من الانخراط في سورية لمصلحة نظام بشار الأسد وداعميه الإقليميين، وقد بلغت الحيرة ذروتها في حلب، وظهور روسيا كعدو للثورة السورية.
إنّ سياق تنويع الشراكات لم يتبلور أساساً في سياق بناء القوة الذاتية العربية بمفهومها الشامل، كما لم يتبلور حيال موسكو في إطار أن التوجه نحو روسيا ليس خصماً من الشراكة مع أميركا، التي ما تزال أهم شريك دولي لدول الخليج والأردن ومصر وغيرها. كذلك كانت ثمة مبالغة في تقدير أن حرص روسيا على عدم استعداء السُنّة سيدفعها إلى عدم التورط كثيراً في دعم بشار الأسد وتبني مقاربة إيران للحل العسكري وانتهاج سياسة "الأرض المحروقة" في حلب. ولم تُقرأ جيداً فكرة أنّ إيران ما بعد الاتفاق النووي، في ظل تركيبتها السلطوية القائمة، ستكون أقرب إلى روسيا والصين وليس إلى الغرب، وقد دلّ على ذلك أن المبعوثين الإيرانيين لروسيا والصين كانوا الأقرب لتحالف المرشد علي خامنئي-الحرس الثوري، فيما المبعوثون للغرب هم من الخارجية وطاقم الرئيس روحاني. كما لم يتبلور سياق تنويع الشراكات في إطار "النفَس الطويل"؛ فأمام ما لا يزيد على عشرين زيارة لمسؤولين كبار من دول الخليج والأردن ومصر لروسيا في السنوات الأخيرة، وجدنا في الفترة ذاتها ما لا يقل عن 40 زيارة لمسؤولين إيرانيين رفيعي المستوى إلى موسكو وُقّع فيها عشرات الاتفاقيات المختلفة. وإذْ استجابت طهران في تقاربها مع موسكو للطموح الروسي في استعادة بعض الندية مع واشنطن في بعض الملفات العالقة، وفي الرغبة الروسية في منافسة الصين عبر الانضمام لمشروع إيران على ساحل مكران، وجدنا غياباً عربياً في هذا المجال وفي حقل المصالح والطموحات الروسية، فأصبحت المعادلة: لا غنى عن خيار الشراكة العربية مع روسيا كطرف دولي وإقليمي مهم للغاية برغم كل التحفظات عليه، لكنّ ما يُنتظر من هذه الشراكة لم يُعطِ ثماره المبتغاة، وقد كانت سورية أرضاً لتكسير التطلعات تلك، وإعادة الترنّم بمقولة الروائي الفلسطيني غسان كنفاني "عالمٌ ليسَ لنا". وبذلك كله أصبحت النتيجة: إن عدم رغبة أوباما في التدخل لمصلحة الشعب السوري وإعلان روسيا عداءها للثورة السورية بوقوفها مع الأسد وطهران و"حزب الله" عزّزا مجدداً من انتشار "عقلية المؤامرة" بين صفوف العرب في تفسيرهم لما يجري في منطقتهم المنكوبة بانقساماتهم وخلافاتهم الداخلية، وصراع الكبار واندفاعهم لإعادة توزيع الخرائط!

التعليق