الرزاز يكتب حول الورقة الملكية ومجلس النواب

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 08:41 صباحاً
  • الدكتور عمر الرزاز- (أرشيفية- الغد)

بقلم: عمر الرزاز

يأتي توقيت الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك في خضم تشكيل مجلس نواب جديد، غالبية أعضائه جدد. ومن حيث ان سيادة القانون والرقابة على تطبيقه في إطار الدولة المدنية هو العنوان الرئيسي للورقة النقاشية، تبرز بقوة الأدوار المتوقعة مستقبلا من البرلمان والمغايرة لدوره التقليدي السابق.
وقد شدد الملك على أن "كل التحديات من حولنا تقودنا الى مفترق طرق، ولا بد ان نحدد مسارنا نحو المستقبل بوعي وإدراك لتحديات الواقع ورؤية واثقة لتحقيق طموح أبنائنا وبناتنا". كما شدد على أن تمارس مؤسسة البرلمان دورها في التشريع والرقابة، وبعيدا عن ممارسات الواسطة والمحسوبية "التي تفتك بالمسيرة التنموية والنهضوية للمجتمعات، ليس فقط بكونها عائقا يحول دون النهوض بالوطن، بل ممارسات تنخر بما تم إنجازه وبناؤه وذلك بتقويضها لقيم العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص وقيم المواطنة الصالحة وهي الأساس لتطور أي مجتمع".
فكيف تساهم مؤسساتنا الوطنية بما فيها البرلمان، ومن خلال هذا الفكر المستنير، في مواجهة تحدي الإنتقال والتحول التدريجي التراكمي للدولة الأردنية الى دولة مدنية تحتكم الى القانون وتحفز الإنتاج وتوزع مكتسباته بعدالة. الطريق في هذا الاتجاه طويل، وعلى مجلس النواب دور رئيسي في تمهيده كما علينا جميعا العمل على تعبيده. بالتأكيد ما زلنا بعيدين عن مجالس نيابية تعكس تعددية سياسية وبرامجية تقود هكذا تحول من خلال حكومات برلمانية. ولكي نكون عمليين علينا أن نعمل بما أوتينا من معطيات، فهل يا ترى سيسهم مجلس النواب الجديد بدفعنا خطوة الى الأمام باتجاه هذا التحول؟
تجاربنا في المجالس السابقة قد تدفع الكثيرين الى حسم الإجابة عن هذا السؤال سلبا، بأن هذا المجلس سيكون خلفا لسابقيه ولن يكون أداؤه أفضل: مجلس ريعي بامتياز، نوابه نواب خدمات ليس إلا. ولكن البرلمان في النهاية ما هو الا جزء من منظومة الدولة. فإن كانت الدولة ريعية الطابع؛ اي معنية بتوزيع الامتيازات والأعطيات كطريقة لكسب الود والولاء بعيدا عن الحقوق المدنية والمواطنة، يصبح المجلس هو القناة الرئيسية التي يتم من خلالها توزيع هذه الامتيازات، أكانت وظائف في القطاع العام، إعفاءات تأمين صحي، إستثناءات للقبول الجامعي، تنظيم أراضي وتعبيد طرق للمتاجرة بالأراضي، تأشيرات حج.. الخ. وبالتالي لا يمكن توجيه اللوم باتجاه النواب وحدهم على كونهم نواب خدمات. بل تصبح الحكومة شريكا في تحويل مجلس النواب من سلطة تشريعية ورقابية فاعلة الى أداة لتبادل المنافع مرتكزة الى المحاباة والواسطة والمحسوبية. فهي منظومة متكاملة؛ فإن لم تكن الدولة معنية بتوزيع الامتيازات والأعطيات لن يكون هناك حاجة لوسيط لتمريرها.
ولكن هناك معطيات موضوعية قد تفتح احتمالات التحول للأفضل ان توفرت الإرادة لدى كافة الأطراف.
فعلى مستوى المجلس، ارسلت الانتخابات الاخيرة رسالة واضحة حول عدم رضا الناخبين عن أداء المجالس السابقة، ناهيك عن استطلاعات محلية تضع مجلس النواب في أسفل قائمة المؤسسات العامة استحقاقا لثقة المواطن. كما أن الانتخابات اللامركزية والبلدية المقبلة ستفرز نواب خدمات محليين بامتياز، لن يستطيع نواب البرلمان منافستهم على تلبية الخدمات المحلية. وأخيرا فإن زيادة حجم الدوائر الانتخابية على مستوى المحافظات وبالتالي زيادة عدد الناخبين سيجعل مهمة النواب في تلبية طلباتهم فرادى أصعب بكثير مما مضى، وبالتالي يصبح لزاما على النواب اعتماد دور مختلف ومؤثر لإرضاء ناخبيهم على مستوى التنمية المحلية ككل وليس كأفراد.
فهل ستقنع هذه المتغيرات الموضوعية المجلس بغالبية أعضائه الجدد، وبما فيه من قوى سياسية لم تشارك في المرّة الماضية، بأن الطريق الى كسب ثقة الناخبين في الانتخابات القادمة ستكون عبر الرجوع إلى المهام الموكلة لهم من خلال الدستور، وهي التصدي ومعالجة المواضيع التشريعية الهيكلية في السياسة والاقتصاد والمجتمع والرقابة على تنفيذ هذه التشريعات؟
وعلى مستوى الحكومة، وخصوصا بشخصية رئيسها وأعضائها القادمين من خلفية تكنوقراطية (خلافا للحكومة السابقة)، فهناك فرصة للتعامل مع المجلس بالندية الإيجابية بدلا من محاولات الاختراق والاحتواء والالتفاف. وهناك إدراك بأن وضع الموازنة العامة لا يسمح بالتوسع بالتعيين، ولا الإنفاق الريعي بجميع أوجهه. وهناك ضرورة لإنجاز عدد كبير من التشريعات المحفزة للاستثمار واستحداث فرص عمل في القطاع الخاص وتطوير التعليم والصحة والنقل العام وإعمال مزيد من الرقابة على أداء المؤسسات. وهناك ضرورة لتحسين أداء الجهاز البيروقراطي بحث تصل الخدمات الى المواطنين حيث أنها حقوق وليست منّة تتطلب الواسطة والشفاعة من النواب.
وأخيرا وعلى مستوى المجتمع المدني، فهناك فرصة لتمارس مؤسسات المجتمع المدني دورها في أن تصبح سلطة خامسة فعالة (إضافة إلى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وسلطة الإعلام). فعلاقة المواطن ومؤسسات المجتمع المدني في هذا المضمار أشار اليها الدستور من خلال المادة (17) والتي تنص على أن:"للأردنيين الحق في مخاطبة السلطات العامة فيما ينوبهم من أمور شخصية أو فيما له صلة بالشؤون العامة بالكيفية والشروط التي عينها القانون"، هذا السند الدستوري أعطى الحق لكل مواطن في مساءلة ومحاسبة المسؤولين، أكدته الأوراق النقاشية لجلالة الملك التي جاء فيها: "عندما يعجز الممثلون المنتخبون والحكومة عن الوفاء بالتزاماتهم، يترتب على المواطنين المتابعين للشأن العام والمنخرطين به، أن يمارسوا الضغط عليهم ومطالبتهم بالوفاء بها. وممارسة هذا الضغط تتم عبر تنظيم مجموعات عمل ولقاءات على مستوى المجتمعات المحلية، وعبر الفضاء الالكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي وقنوات أخرى". ("أدوار تنتظرنا لنجاح ديمقراطيتنا المتجددة"، 2 آذار/ مارس 2013).
نعم نحن أمام تحدي يواجهنا؛ فمنظومة الريع التي اعتمدناها وتعودنا عليها ولّى زمنها وجفّت مصادر تمويلها، لكننا أيضا أمام فرصة ماثلة أمامنا تمكننا من أن نتقدم للأمام نحو دولة القانون والديمقراطية المنتجة العادلة وذلك من خلال فصل السلطات وتفعيل دور مجلس النواب في التشريع والرقابة وإشراك المجتمع المدني في بلورة الأولويات ومتابعة الإنجازات.
علينا أن نرتقي لمستوى التحدي الماثل في الورقة الملكية النقاشية السادسة ونقتنص الفرصة الماثلة أمامنا. علينا أن ننجح بالإنتقال معا خطوة الى الأمام وأن لا نكتفي بلعن الواقع ونتنصل من المسؤولية ونصر على المسير في الطريق التي وجدنا عليها آباءنا وأجدادنا.

التعليق