دعوات لحصر ظواهر التمييز ومعالجتها.. ومطالبة الحكومة بحوار وطني يؤكد سيادة القانون

سياسيون وحزبيون: الورقة الملكية تحسم مفهوم الدولة المدنية المنشودة أردنيا

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

هديل غبّون

عمان - رأى سياسيون وحزبيون أن الورقة النقاشية السادسة لجلالة الملك عبد الله الثاني "حسمت الجدل" الذي شهدته الأوساط السياسية مؤخرا، حول مفهوم الدولة المدنية وتطبيقاتها، ودعوا السلطة التنفيذية، إلى تفعيل مبادئ الدولة المدنية وإطلاق حوار وطني يجمع منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية.
ورحبت قوى سياسية من مختلف التوجهات بالورقة النقاشية، مشددة على ضرورة ترجمة الحكومة لمضامين الورقة عبر وضع خطة وطنية شاملة، بما في ذلك حصر مظاهر "التمييز" في المجتمع، ومواجهته بالمساواة خاصة فيما يتعلق بمنظومة التشريعات المتعلقة بالحقوق والحريات، كواحدة من الخطوات العملية المؤسسة لترجمتها.
وأجمع سياسيون في حديثهم لـ"الغد" على أهمية الرسالة الواضحة للورقة النقاشية لكل من تيار الإسلام السياسي والتيار العلماني والليبرالي، بضرورة الحوار المشترك، والتأكيد على قيم الدولة "المدنية" وسيادة القانون.
الوزير والنائب الأسبق الدكتور ممدوح العبادي، اعتبر أن أطروحات الورقة حول تعريف الدولة المدنية، جاءت كدعوة واضحة لكل الأطياف السياسية الليبرالية والعلمانية والاسلامية، بأن لكل طيف أن يأخذ دوره في المجتمع على قاعدة المساواة والحقوق والواجبات، وأن إقصاء أي من الآخر غير مقبول.
وبين أن الملك أراد التأكيد على أن "الدولة الأردنية هي دولة مدنية باعتبارها دولة قانون ومواطنة بغض النظر عن دين المواطن، وتوجهه السياسي والفكري، وأن "هذا المواطن له الحق في الرأي والتعبير أيا كان".
وأوضح العبادي أن "الأردن دولة مدنية... المؤسسات الأردنية جميعها قائمة على الدولة المدنية وفق مبدأ تداول السلطة، لدينا برلمان منتخب لدينا دستور ليس دينيا ولدينا قضاء مدني، والقضاء الشرعي مختلف تماما. الجديد في الورقة التوضيح الحاسم لمفهوم الدولة المدنية بشكل صريح أنها دولة قانون وحقوق إنسان وليست علمانية، أما العلمانية هنا فهي التي لمؤيديها الحق أن تأخذ حيزها في الدولة المدنية والليبرالية والقومية وغيرها".
أما الوزير والعين الأسبق د. بسام العموش، فاعتبر أن الورقة النقاشية حسمت بالضرورة مفهوم الدولة المدنية المغاير للدولة العلمانية والنقيض أيضا للدولة الدينية، وأنها قطعت الطريق على من يدعو إلى إلغاء الدين من المناهج أيضا.
ورأى العموش أهمية الأطروحات في الورقة النقاشية، في ظل تصاعد الصراع بين تيارات علمانية وتيارات الإسلام السياسي، حول مفهوم الدولة المدنية، وقال "ما أكده الملك أن الدولة الأردنية  ليست علمانية، لأن هناك مخزونا سابقا حول العلمانية التركية، التي تطارد الدين وتمنع الآذان وتمنع الحجاب وهذه علمانية متطرفة وكذلك في زمن زين العابدين بن علي ومن قبله الحبيب بورقيبة... هذه علمانية متطرفة ومرفوضة بكل المقاييس لأنها مناهضة لحقوق الانسان".
وأشار العموش إلى أن الورقة تضمنت جزما بمسائل الحقوق والحريات لجميع المواطنين، وأن هذا المعنى للدولة المدنية المرادف للعلمية هو معنى مرفوض، وقال: "الدولة المدنية هنا تعني النقيضة للدولة الدينية أو دولة الكهنوت التي يديرها رجل دين مثل البابا، وهي مرفوضة، الأنبياء فقط هم من كانوا يتحدثون باسم الله ولا إكراه في الدين، واليوم الحاكم إنسان يعمل ضمن الدستور والقانون، هذه هي الدولة المدنية التي نحن من دعاتها".
وأمام التفسيرات المتباينة في وقت سابق حول الدولة المدنية، قال العموش إن الدولة المدنية بوضوح تعني تقبل الآراء، فيما رأى أن في أدبيات الدولة الأردنية نصين رئيسين، أولهما ما ورد في الدستور على  أن "الإسلام دين الدولة" ويعني أن أغلبية سكان الأردن هم من المسلمين، والنص الثاني ورد في الميثاق الوطني وهو "أن المصدر الرئيسي للتشريع هو الشريعة الإسلامية".
وعلى ضوء ذلك، يخلص العموش الى أنه لا اختلاف في تشريعات الدولة مع الشريعة الإسلامية وأن أغلبية القوانين في الدولة هي قوانين اجتهادية، وأن الشريعة الإسلامية تقبل ذلك، باستثناء نصوص محدودة في قانون العقوبات وفي قضية الربا. 
ورأى العموش أيضا أن أهمية الورقة النقاشية تكمن في التأكيد على أن الدولة المدنية هي ليست دولة علمانية "قائمة على إلغاء الدين"، وقال: "في الفترة الأخيرة أصبح هناك تطاول على الدين (....) أن يدعو (أحدهم) لإزالة الدين من المناهج هذا ليس مقبولا، والملك كان له تصريحات سابقة أنه لا يسمح بالمساس بأسس الدولة الأردنية ومن بينها الدين أيا كان دينه".
ويتفق الأمين العام لحزب التيار الوطني صالح ارشيدات مع سابقيه، بضرورة تفعيل مبادئ الدولة المدنية وفق الرؤية الملكية، بتفعيل تطبيق سيادة القانون وترسيخ الآليات الديمقراطية.
ورأى ارشيدات أن المطلوب اليوم "هو إشراك منظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية بترسيخ هذه المفاهيم"، وإفراد مساحة أكبر لتفعيل المحاور الكامنة، مشيرا الى أن الحكومة باعتبارها صاحبة الولاية "تقع على عاتقها مسؤولية تنفيذ الأطروحات الملكية".
وقال: "نؤيد الأطروحات الملكية ونطلب من الحكومة صاحبة الولاية دستوريا أن تضع خطة شاملة لتفعيل الإجراءات الضامنة للدولة المدنية، وخلق اجواء إيجابية، الدولة مدنية لها ممارسات على أرض الواقع عنوانها المواطنة".
ودعا ارشيدات أيضا جميع الأحزاب والبرلمان ومكونات المجتمع إلى فتح نقاشات وحوارات حول الدولة المدنية.
أما الأمين العام الأول لحزب الشعب الديمقراطي "حشد" والنائب السابق عبلة أبو علبة، فقد اعتبرت مضامين الورقة النقاشية "متقدمة جدا"، وتندرج ضمن الإصلاح السياسي ضمن مرحلة التحوّل الديمقراطي للبلاد.
وقالت أبو علبة "وردت مفاهيم متقدمة جدا ومن المطلوب أن تنعكس في الإدارة العامة في البلاد، بكل مستوياتها، في القضاء وفي التعليم وفي الإدارات الحكومية وعبر السلطات وغيرها".
ونوّهت أبو علبة إلى ضرورة أن لا يتجه التركيز في التعاطي مع الورقة النقاشية على "تفعيل النقاش" فقط، داعية إلى اتخاذ خطوات إجرائية عملية تنعكس على التشريعات والقوانين  لتصبح ذات فائدة مباشرة.
وأكدت على أهمية دور الأحزاب بزيادة الوعي حول مفهوم الدولة المدنية، باعتباره ركيزة أساسية لدى الأحزاب التقدمية والديمقراطية، معتبرة أن القضية "لا بد أن تكون محط نقاش واحترام دائم، بما يدفع لتطويرها والاشتباك مع متطلبات المجتمع".
 وأشارت أبو علبة إلى ضرورة مواجهة "ظواهر عدم المساواة" القائمة في المجتمع، بتطبيق عادل للقانون، ومواجهة ما أسمته "ظاهرة التمييز" بالقانون.
كما دعت أيضا إلى عدم تغييب المرأة عند الحديث عن الدولة المدنية وتطبيق سيادة القانون، منوهة إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت تسجيل وقائع تتنافى مع مبدأ العدالة والمساواة بحق المرأة، في إشارة إلى عدد من الجرائم، التي وقعت مؤخرا تحت عنوان ما يسمى "قضايا الشرف"، فيما استهجنت أبو علبة ارتكاب تلك الجرائم بحق النساء، دون معالجة قانونية عادلة.
ورحب رئيس اللجنة العليا في حزب المؤتمر الوطني "زمزم" الدكتور رحيل الغرايبة بمضامين الورقة النقاشية، مشيرا إلى أن طرحها يأتي بالتزامن مع حوار متصاعد بين التيار العلماني وتيار الاسلامي السياسي.
وقال الغرايبة إن الورقة أكدت على سيادة القانون والمواطنة الكاملة والإقرار بالتعددية والاحتكام إلى الدستور والقانون دون تمييز بين المواطنين، ووقف كل أشكال التمييز القائم على الدين أو العرق أو الجهوية، دون أن يلغي القيمة المرجعية الاسلامية للدولة، عبر التأكيد بأن المدنية ليست مرادفا للعلمانية.
ورأى الغرايبة أن جميع القوى السياسية والحكومة والأحزاب وجميع الأطراف المؤثرة تقع على عاتقها مسؤولية "تحقيق التوافق المجتمعي" نحو مفهوم الدولة المدنية، وقال: "لا بد من محاولة لملمة شتات المجتمع نحو مفاهيم محددة وواضحة والتقدم إلى الأمام".
وفيما شدد الغرايبة على أهمية توضيح حقيقة الدولة المدنية المستندة إلى حكم الدستور في ظل الثوابت الشرعية والدينية، دعا إلى أن تكون الورقة محور بحث ونقاشات وحوارات مجتمعية، وأن تشكل بوصلة للدولة الأردنية بكل مستوياتها نحو المستقبل.
وفي السياق ذاته، قال الأمين العام للمنتدى العالمي للوسطية مروان الفاعوري، إن الورقة رسمت خريطة طريق لمؤسسات الدولة برمتها لحثها على "ضبط أدائها باتجاه الدولة المدنية القائمة على سيادة القانون".
ورأى الفاعوري أهمية التشاركية بين مؤسسة البرلمان والحكومة ومؤسسات المجتمع المدني لتفعيل تطبيق القانون، مشيرا إلى أهمية عقد مقاربة بين الدولة المدنية كنقيض لدول الصراعات والانقلابات، وكذلك الدول الدينية على غرار الدول الأوروبية في العصور الوسطى.
ولفت إلى ان المرحلة المقبلة لا بد أن تشهد خطوات عملية باتجاه البناء الديمقراطي الحديث للصورة المثلى للأردن، مع التأكيد على تحييد الدين بعيدا عن التوظيف السياسي وعدم استغلاله من جميع الأطراف.  
ورأى الفاعوري أن مضامين الورقة النقاشية، تعد حافزا للدفع باتجاه حوار وطني جاد بين كل القوى السياسية الوطنية والأحزاب الحقيقية دون إقصاء أو تهميش، مشددا على أهمية طرح الورقة بالتزامن مع إجراء انتخابات برلمانية.
كما يعتقد الفاعوري، أن الاتجاهات السياسية المعارضة لمفهوم الدولة المدنية "أظهرت مؤخرا مؤشرات مبشرة للتوافق"، فيما أشار إلى ضرورة توسيع الحوارات والنقاشات.
إلى ذلك، أكد حزب الوعد الأردني أهمية مضامين الورقة النقاشية، قائلا إنها تعزز الخطوات العملية باتجاه الدولة المدنية الحديثة والملكية الدستورية، داعيا إلى إزالة جميع العوائق أمام الوصول بالدولة الاردنية والمجتمع الاردني إلى تطبيق هذا المفهوم واعتباره جزءا من ثقافة وقيم المجتمع ومبادئ الدولة التي لا يجوز الخروج عليها.
وقال الحزب، في بيان له امس، إن ذلك يتطلب الإسراع في تحديث الإدارة العامة وإعادة هيكلة الجهاز الحكومي وتجديده وتعزيز دور القانون والقضاء وتبني الوسائل الحديثة للوصول للحكومة الإلكترونية والمدن الذكية.
إلى ذلك، أكدت الناطق الاعلامي باسم كتلة التحالف الوطني للإصلاح د. ديمة طهبوب، ترحيب الكتلة بالورقة النقاشية، معتبرة أنها استكمال للأوراق النقاشية السابقة على طريق إحداث الاصلاح الفكري.
وقالت طهبوب لـ"الغد"، إن التحالف سيقف مطولا على الورقة النقاشية، وبحثها معمقا، وإصدار موقف مفصل منها في وقت لاحق، فيما أشارت إلى أهمية التأكيد على سيادة القانون ودولة المؤسسات.

التعليق