د.باسم الطويسي

مسطرة الدولة والمجتمع

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:07 صباحاً

أعادت الورقة النقاشية السادسة التي قدمها جلالة الملك للنقاش العام، التأكيد والتذكير بالفكرة الأساسية والمبدأ الأول اللذين تُدشن على أساسهما الدول الحديثة. وهما فكرة ومبدأ لا يتوقف خطاب النخب الرسمية عن تناولهما، لكن في كثير من الأحيان من دون إدراكهما؛ فأكثر عبارة يرددها المسؤولون في بلادنا هي "دولة القانون والمؤسسات"، في المقابل تورد الورقة الملكية أمثلة مؤلمة على أن المسطرة معوجة.
فالملك يعبر صراحة عن غضبه من مشهد "طفلة تموت في أحضان والدها في عرس أو احتفال تطلق فيه نيران الأسلحة، أو أم تودع ابنها دون أن تعلم أنه لن يعود بسبب سائق لم يحترم القانون، أو طالب متفوق فقد فرصته لعدم تطبيق سيادة القانون، أومجرم ينعم بالحرية دون مساءلة".
فمبدأ سيادة القانون يتجاوز في أهميته المبادئ كافة الناظمة لبناء الدول وتشكل المجتمعات؛ فهو يعني إدامة مرفق العدالة، والمصدر الحقيقي للأمن والاستقرار وبالتالي البناء. وهو، للأسف، المبدأ الأكثر هشاشة في تجارب الدولة الوطنية في العالم العربي؛ فما هذا التفسخ السريع للكيانات، والعبث والفوضى والدماء التي تملأ المدن والأرياف حولنا، إلا نتيجة غياب المسطرة التي يقف على حدها الناس جميعا.
وتعد هذه الورقة الملكية تأسيسية بالمعنى المعرفي والسياسي؛ فلا يمكن التفكير بطبيعة التحولات الديمقراطية والنظم الانتخابية، ولا حتى الحقوق والواجبات أو فلسفة المواطنة، قبل أن يدشن معمار القانون ويؤمن مرفق العدالة للجميع. ودولة القانون المعاصرة لا يمكن أن تكون إلا دولة مدنية تدار بعقد اجتماعي واضح، وبالقوانين القابلة للنمو والتطور.
هذا يعيدنا إلى القول بأن الإمساك بالقانون بقوة في الممارسات اليومية للإدارة الحكومية، مهمة مفصلية، وأمّ المهمات في مسار بناء الدول. وكل المراوغة في تفسير ظواهر الفساد والهدر، ثم الاستقواء والعنف والعنف المقابل، هي محاولات لحجب الرؤية عن المستوى الذي وصلت إليه بعض الممارسات على صعيد الغياب والتغييب للقانون. فالأمن الحقيقي للدولة يكمن في أمن المجتمع. وهناك فرصة مهمة لاستعادة مسار الإصلاح بالاستناد إلى القانون؛ أي الوصول إلى توافقات وطنية مرجعتيها قوة القانون. حينها، يمكن توفير المسطرة المطلوبة التي يمكن البناء عليها. ثمة حاجة حقيقية لمحاكاة نموذج الإصلاح القانوني، وتحديدا إزاء التحديات التي تواجهها الحياة العامة. وعلينا أن نقرأ الأحداث والتحولات اليومية لدينا ولدى الجيران، وجميعها تذهب نحو حقيقية أن أمن الدولة في أمن المجتمع. وهو الأمر الذي يرتب فرصة قد لا تعوض للدفع ببناء نموذج للإصلاح أساسه القانون. ولعل من المفيد في هذه المرحلة التقليل من حدة وكثافة السياسة التي طالما أزاحت القانون.
علينا أن نراجع قدرات العديد من المؤسسات في حماية حقوق المواطنين؛ أي قدراتها على ممارسة حقها في احتكار القوة. وإذا كانت الحكومات والمؤسسات الرسمية لا تقوم بواجباتها بحماية حقوق المواطن في الأكل والشرب والسكن والحياة الآمنة وتكافؤ الفرص، فإن ذلك لا يعود لعدم رغبتها في القيام بهذا، بل الأمر في مجمله يرتبط بالكفاءة إلى جانب الإرادة في إنفاذ القانون على الجميع، ويعود الأمر في جانب مهم إلى مسألة توزيع القوة في المجتمع وتوزيع الكفاءة والإرادة بين المؤسسات والنخب. ولكن حينما يكون القانون مسطرة للجميع، يصبح الكل؛ أفرادا ومؤسسات، يبحث عن بياض الوجه بالاعتصام بالقانون.

التعليق