منار الرشواني

السويد: رفاه ضد الهدر

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:04 صباحاً

مع سعي لاجئين، من كل بقاع الأرض، سواء كانت منكوبة بالصراعات أم لا، للوصول إلى السويد، ولو باجتياز القارة الأوروبية من جنوبها إلى شمالها سيراً على الأقدام، لا يعود من حاجة للحديث عما تقدمه هذه الدولة للغرباء المستجيرين بها؛ لأسباب حقيقية أو مفتعلة، فكيف بما تقدمه لمواطنيها.
لكن أول ما قد يلفت النظر في ما يعد نموذجاً لدولة الرفاه الاجتماعي على مستوى العالم ككل، هو ارتفاع الضرائب، بحيث شكلت، بحسب أحدث البيانات المتاحة على موقع "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" %42.85 و%42.70 من الناتج المحلي الإجمالي السويدي للعامين 2013 و2014 على التوالي، مقارنة بنسبة 34.16 % كمتوسط للدول الأعضاء الخمس والثلاثين في المنظمة (في العام 2013).
ليس ذلك فقط، بل لعل الملاحظة الأهم هو أنه لا يكاد يكون من خدمة عامة، مهما كانت بسيطة، تُقدم مجاناً في السويد، من قبيل استخدام المرافق الصحية (الحمامات العامة) في محطات القطارات والباصات المركزية. وتمتد الرسوم إلى القطاع الصحي، برغم رمزيتها ومع وجود سقوف لها. إذ يتوجب على سبيل المثال، وبحسب موقع https://sweden.se/، دفع ما يعادل حوالي 8 دنانير أردنية، كحد أقصى، عن كل يوم إقامة في المستشفى؛ فيما تتراوح رسوم تقديم الرعاية الصحية الأولية بين 8 دنانير و20 ديناراً، تبعاً لما يسمى "مجلس المقاطعة".
ويمكن ببساطة إدراك الهدف من الانعدام شبه الكامل للمجانية في دولة تعامل اللاجئين إليها من دول أخرى بعيدة، بأعلى درجات الاحترام والإنسانية. فهذا الهدف ليس إلا منع الهدر في الموارد، لا سيما وأن جزءاً ضخماً منها يتمثل في ضرائب يدفعها المواطنون السويديون، وتُعد من بين الأعلى في العالم.
ولعل الدليل الأهم على هدف حماية الموارد من الهدر، أن الاستثناء الأبرز على انعدام المجانية هناك هو التعليم؛ والذي يقدم، بحسب الموقع السابق ذاته، مجاناً منذ سن السادسة على الأقل، وصولاً إلى المرحلة الجامعية. إذ، وبشديد بساطة أيضاً، لا يمكن توقع هدر في سعي المواطنين إلى مزيد من التعلم والمعرفة. بل فوق ذلك، وبحسب عميدة كلية الإعلام بجامعة استوكهولم، فإن أغلب المستفيدين من المنح الكاملة – والسخية جداً- التي تقدمها الكلية لطلبة الدكتوراه فيها، هم طلبة أجانب.
هكذا، يكون صحيحاً أن الضرائب وغياب دعم السلع الأساسية وحتى غير الأساسية في بعض الحالات، ليسا بالضرورة نقيض مفهوم "الرفاه"، أو العدالة الاجتماعية، بل العكس تماماً. فالأعباء الضريبية والرسوم -ولو الرمزية- على بعض الخدمات، قد تكون الضمانة الوحيدة لصون واستدامة دولة الرفاه والعدالة الاجتماعية؛ أولاً، عبر التمويل الذاتي للنظام الوطني للرفاه الاجتماعي، وثانياً، بتوجيهه لمستحقيه بما يمنع الهدر تماماً. ودولنا العربية خير من يؤكد ذلك، بعد جفاف موارد "الرفاه/ الدعم" المصطنع لأسباب سياسية خلال عقود الستينيات والسبعينيات، مع ما ترتب على ذلك من نتائج كارثية؛ اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وحتى جيوسياسياً.
طبعاً، بعد كل ذلك، فإن كلمة السر لدولة الرفاه الوطنية فعلاً، تتمثل في النزاهة والشفافية وسيادة القانون؛ أي نقيض الفساد بكل أشكاله. فحينها يتيقن المواطن أنه يدفع ضرائب ورسوما أسوة بالجميع، وأن ما يدفعه يعود إليه حتماً، ليس جودة خدمات وبنى تحتية فقط، بل أمناً واستقراراً عبر مساعدة مواطنيه من ذوي الظروف الاستثنائية والقاسية أياً كانت أسبابها.

التعليق