سائد كراجة

المرجعية في الورقة النقاشية

تم نشره في الأربعاء 19 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:03 صباحاً

الورقة النقاشية الملكية السادسة وإن تصدت للجدل القائم مؤخرا حول الدولة المدنية، فإنها -باعتقادي- لم تأت بمناسبة هذا الجدل، ولا هو دافعها الأساسي. الورقة السادسة وما قبلها من أوراق خمس، تعتبر محطة مهمة في مشروع ملكي -غير مسبوق- يهدف إلى طرح نقاش وطني حول الإصلاح السياسي والفكري، وإحداث توافق وطني على مسيرة هذا الإصلاح، عله يتمخض عن أسس لعقد اجتماعي سياسي للأردن الحديث.
صلب هذه الورقة هو مفهوم "سيادة القانون". وهو -كما جاء في الورقة- معيار التمييز بين الدولة الناجحة والفاشلة، وأساس الديمقراطية والاقتصاد المزدهر والمجتمعات المنتجة، والضامن للحقوق الفردية والعامة، واللازم لمجتمع آمن وعادل.
وسيادة القانون -أي تطبيق الدستور والقانون بنزاهة وحياد على الحاكم والمحكوم- هي مسؤولية الدولة أولا. وهي، أيضا، التزام المواطن بأن لا يعتقد أنه -بسبب منصبه أو رتبته أو عائلته- استثناء على هذه القاعدة، فالأصل أن يأخذ المواطن علو مرتبته من الخضوع للقانون وليس من الخروج عليه. إن جلالة الملك يصرّح أنه كمسؤول أول في هذا البلد يكرّس هذا المفهوم، ونأمل تبعا لذلك، ومن دون تأخير، أن تنهض مؤسسات الدولة جميعها لتطبق سيادة القانون على ذاتها وعلى موظفيها، وخاصة كبار الموظفين، فليس سرا أن كثيرا من مؤسسات الدولة وموظفيها لا تلتزم بسيادة القانون ولا تطبقه.
كذلك، فإن من الالتزام بسيادة القانون عدم التساهل في تطبيقه أو تنازل الدولة عن هيبته لأي عذر كان. ونحن اليوم نعيش بأمن وأمان بفضل مهنية وحرفية الأجهزة الأمنية التي يجب أن تطبق القانون دائما على ذاتها قبل أن تطلب من الآخرين تطبيقه، فإن سيادة القانون للأجهزة الأمنية تعني حماية الدستور وحياة الأردنيين وحرياتهم وحقوقهم.
سيادة القانون تتطلب سرعة وفعالية واستقلال مؤسسة القضاء التي يعتز بها الأردنيون جميعا، والتي نسعى إلى تطوير عملها كي تؤدي رسالتها باستقلال وسرعة لحفظ حقوق الأردنيين وحرياتهم؛ إذ إن العدالة المتأخرة عدالة غائبة، متذكرين أن تحصين القاضي باستقلال قانوني وأمان اقتصادي يعتبر من أهم دعائم وحدة ومتانة الجبهة الداخلية.
أما بخصوص الدولة المدنية، فإن الورقة الملكية -في اعتقادي- عمدت إلى نحت المصطلح وليس كما خيّل للبعض أنها جاءت لنصرة طرف على آخر. وأقصد بنحت المصطلح، تبنيا لمفهوم الدولة المدنية لا يتطابق بالضرورة مع تعريف مسبق، وهو كما جاء في الورقة النقاشية: دولة المؤسسات الدستورية التي تحتكم إلى الدستور والقانون وتعتمد نظام الفصل بين السلطات، بحيث لا تتعدى سلطة على صلاحيات سلطة أخرى وترتكز في ثقافتها وحياة مواطنيها على التسامح والعيش المشترك وتحترم التعددية والرأي الآخر، وهي دولة تحفظ الحقوق وتحترم حرية العقيدة والمعتقد لمواطنيها جميعا على قدم المساواة.
أما بخصوص المرجعية الدينية، فالمعروف أن الدولة شخص قانوني معنوي وأنها بهذا المعنى لا تتدين. وإن اعتزازها بأي إرث ديني أو ثقافي لا يغير من حقيقة أن الدولة المدنية هي دولة دستورية يحدد الدستور فيها كيفية إصدار القوانين ومصادرها، وهي بحسب الدستور الأردني تصدر بموافقة الأغلبية في البرلمان. وبهذا المعنى؛ فإن حزب الأغلبية له الحق الدستوري بتحديد مرجعية القانون الصادر عن البرلمان؛ فمن يرغب بمرجعية دينية للقوانين أو مرجعية وضعية عليه أن يذهب للبرلمان وأن يتحصل على الأغلبية اللازمة لذلك. وبهذه الحالة، فإن القوانين تكون قوانين أردنية صادرة سندا للدستور وليست قوانين شرعية أو وضعية وذلك بشرط عدم التعدي على الدستور نفسه، ولا على حريات الأردنيين ولا على التعدد واحترام الآخر ولا على حقوق الأقليات. وسبب ذلك أن نظام الأغلبية البرلماني يستمد شرعيته من الدستور الذي لا يجوز الانقلاب عليه كنظام برلماني ملكي وراثي يقوم سياسيا على فكرة تداول السلطة بين الأحزاب التي تحصل على الأغلبية في البرلمان الذي نأمل أن يكون التنافس على مقاعده من خلال أحزاب برامجية عملية أردنية الهوية والأجندة.
بقي أن نقول إن الأوراق النقاشية وما يدور حولها من نقاش يجب أن تتحول لممارسات وسياسات حكومية وإلى برامج حزبية تنعكس على قوانين الدولة التي تؤسس للأردن الحديث الديمقراطي المدني الحر، حيث سيادة القانون مهمة الدولة الأولى وسلوك المواطن اليومي.

التعليق