"مانفستو" الأمل

تم نشره في الأربعاء 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2016. 12:00 صباحاً

د. سعود الشرفات*

ما نحن إلا كما يرانا العالم، لا كما نرى أنفسنا فقط. نحن حالة من التجلي في هذا الكون فقط.
لكني أظن أننا كعرب ومسلمين نتجلى الآن للعالم بشكلٍ مرعب ومتوحش، مريب وغير جدير بالثقة. والأسوأ من ذلك أننا نساهم في عولمة انقسام هذا العالم اليوم عموديا بين "نحن" و"الآخر"، ثم نلقي اللوم على بقية العالم، بنرجسية وشعور فارغ بالتفوق والتميز.
ومن سوء حظنا أن آليات العولمة، وتحديداً التكنولوجية من خلال وسائل الإعلام والاتصال والمواصلات، تسلط علينا ضوءاً ساطعاً يكشف عورتنا الحضارية، ويضخم ويعظم شعورنا بالعجز واليأس وقلة الحيلة. فنقوم بملء الفراغ والتعويض عن هذا الشعور النفسي، بالعنف والتطرف واتهام الآخرين باستهدافنا، وأننا ضحايا لمؤامرة كونية.
يخيل إليّ أن العالم ينظر إلينا اليوم كما ينظر إلى فيلم رعب، أو كما ينظر ناقدٌ فني إلى لوحة سريالية؛ كثيرٌ من التفاصيل والتعقيد، وقليل من الفهم والقدرة على الاستيعاب.
الحروب الأهلية والدمار والتخريب والفوضى والتوحش والتطرف والإرهاب والهجرة واللجوء، التي نعيشها في عالمنا العربي اليوم، أخرست فينا الدهشة، وكرست منا لوحة العالم السريالية الوحيدة.
هل أجافي الحقيقة إذا ادعيت أننا أصبحنا عبئاً على هذا الكوكب، وأن الكل مشغولٌ بنا وبما ننتجه ونصدره من مشاكل وأزمات؟ ألم نصبح مشكلة عالمية مستعصية على الحل، كمثل مشاكل الاحتباس الحراري، والتلوث البيئي، والتصحر؟ لقد أصبحنا عناوين واسعة وعميقة لمشاكل عالمية كبيرة: الإرهاب والتطرف الديني، مشكلة الشرق الأوسط، الحرب في سورية والعراق واليمن وليبيا، والحرب ضد إرهاب تنظيم "داعش". أصبحنا الخبر الأول في وسائل الإعلام العالمية، ودخلنا الأجندة السياسية الداخلية لمعظم دول العالم. أصبحنا مادة إعلامية وسياسية تتغذى عليها الجماعات والأحزاب السياسية، وتتنافس عليها في برامجها الانتخابية، في الوقت نفسه الذي أصبحنا فيه حقل تجارب للدراسات والأبحاث، وتجارة رابحة لكل مدعٍ أو عارف وخبير في عمق خيبتنا الحضارية. الحقيقة الموجعة كحدِ الخنجر، هي أن الانشغال والاهتمام العالميين بمشاكلنا، وما يعقده العالم من اجتماعات ومؤتمرات ولقاءات، وما ينفقه ويخسره، ومعظمه من جيوبنا، يفوق بكثير ما ينفق على أي مشكلة أخرى من المشاكل العالمية الأخرى. لكنني لا أريد أن أفقد الأمل. وأرفض بإصرار شديد أن يتراءى لي يباب وخراب أرض، كما يقول تي. أس. إليوت، والذي مزقه ودفعه إلى الخوف والذعر وفقدان الأمل والتقزز واليأس والتشاؤم من مصير أوروبا والعالم بعد الحرب العالمية الثانية.
أنا مؤمن بقانون التغير والتطور، وبقدرتنا على الحياة؛ بقدرة الأجيال المقبلة والشباب، والأدوار العظيمة للنساء في صياغة "مانفستو" (بيان) صلب، واسع وعميق للأمل والمستقبل والحياة الكريمة.
وأعتقد بأن حالة "الموات" الحضاري التي نعيشها اليوم في سيرورتها إلى الانبعاث والإزهار والربيع مرة أخرى. وما الفوضى والحرب والخراب والتوحش والتطرف الديني والإرهاب، كما اللاجئون الذين يبتلعهم البحر، إلا قرابين ووقود الضرورة التاريخية لضمان نجاح هذه السيرورة وتعميم "مانفستو" الأمل والحياة مرة أخرى. وكما ختمت مارغريت ميتشل باستشراف عميق للأمل راويتها الرائعة على لسان سكارليت اوهارا بطلة فيلم "ذهب مع الريح"، المقتبس عن الرواية لحظة كانت اوهارا تراقب كيف كان يتغير ويتداعى العالم من حولها بتسارع كبير إلى دمارٍ وركام، نختم بأمل وإصرار، ونردد معها ونقول حقاً: غدا يوم آخر.

*مدير مركز شُرُفات لدراسات العولمة والإرهاب

التعليق