علاء الدين أبو زينة

مكافحة الفساد، مسؤولية مَن..؟!

تم نشره في الأحد 11 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:08 صباحاً

قبل يومين، احتفل الأردن مع دول العالم باليوم العالمي لمكافحة الفساد الذي صادف يوم الجمعة. وعكَس الاهتمام الرسمي بهذه المناسبة إدراكاً للخطر الوجودي الذي يشكله الفساد على الدول، وضرورة مكافحته محلياً كأساس لهزيمة التحديات التي تواجه الأردن والخروج به سالماً من المنعطف الخطير الذي تمر به المنطقة.
ليست هناك وصفة أكيدة للانتحار الجماعي في هذه الأيام القلِقة أفضل من التعامي عن الفساد وإنكار وجوده. وقد أظهر "الربيع العربي" بوضوح أن الفساد –بمختلف تجلياته- يؤسس لشروط المواجهة الحتمية بين مكونات المجتمعات والدول. فهو مسؤول عن تخريب الاقتصادات، ونشر المظالم، واغتيال العدالة، وتشويه السياسة، ووضع أسس الشقاق الاجتماعي وتشويه الشخصية الوطنية، وكل الأسباب التي تغذي مشاعر السخط والعدوانية.
مشكلة الفساد أنه مُعدٍ وسرطاني، يشبه تماماً التفاحة الفاسدة في صندوق التفاح، التي سيعني تركها هناك فساد التفاحات المجاورة، فالصندوق كله. وليت اجتثاث الفساد في الدول بسهولة استبعاد ثمرةٍ ظهر المرَض على قشرتها من صندوق فاكهة! إن الفساد في الدول ماكر وماهر في إخفاء نفسه. إنه ليس شخصاً يمكن اكتشافه وعزله، وإنما هو شيء هلامي يحفر لنفسه في الممارسات والعادات الاجتماعية، والمؤسسات، والعقل الجمعي. وعند لحظة معينة، لا نعود نعرف كيف نحدد المسؤولية عنه، أو من أين نبدأ في تعقبه واستئصاله.
في موضوع المسؤولية الأساسية عن الفساد، كان ما أراد الناس قوله في "الربيع العربي" هو أن كل شيء يبدأ عند أصحاب القرار. وهو استنتاج مبرر، لأن المسؤولين هم الذين يمتلكون الأدوات ويتحكمون بالآليات لتكوين الصورة العامة. وكان شعار مكافحة الفساد من بين أبرز شعارات المحتجين، لإدراكهم أنهم هم المتضررون النهائيون منه. ويكتب المفكر المغربي موحى الناجي: "يجب أن تلتزم حكومات بلدان الشرق الأوسط باتباع سياسات جريئة وناجعة لمعالجة رداءة التعليم، وارتفاع معدلات البطالة، وتفشي الفساد، وهي ظواهر تساهم في تأجيج العنف والاضطرابات في المنطقة".
مسؤولية الأفراد تتعلق أكثر بالصراع الداخلي الذي قد ينجم بين الالتزام بالمبدأ الأخلاقي وبين الاستجابة لإغواء تحقيق المصلحة الشخصية بسهولة على حساب الآخرين. وعلى سبيل المثال، كثيراً ما نضطر –كأفراد- إلى الاختيار بين اتباع الإجراءات الرشيدة في إنجاز معاملة أو تحصيل وظيفة، وبين اللجوء إلى شخص نافذ نعرفه –واسطة- لتسريع إنجاز معاملتنا أو القفز بنا إلى الوظيفة على حساب المنتظرين. وإذا كانت العلاقات العائلية والعصبوية هي صاحبة الغلبة على القواعد والقانون، فإن الأفراد يشاركون في الفساد حين يوافقون على استخدام الواسطة بكثافة في تعاملاتهم. وإذا رأى الفرد غياباً غامراً للعدالة وتساوي الفرصة والمساءلة وحكم القانون، فإنه يقع تحت إغراء الالتحاق بالقطيع والمزاحمة بالأكتاف للوصول إلى رأس الطابور، على قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة".
لعل الشيء الوحيد الكفيل بمحاصرة الفساد، الرسمي والشعبي ومن أي نوع، هو حكم القانون. ولن يتحقق التقدم لأي مشروع إذا لم تدرك جميع الأطراف أن لها جميعاً مصلحة حتمية في التحرك تحت مظلة القانون الذي يحمي حقوق الجميع وفرصهم. وفي الحقيقة، ليس للمواطنين العاديين مصلحة في تغذية الفساد، لأنهم الطرف الضعيف المكشوف الذي سيظل الضحية الدائمة للفساد. وليس للمسؤول والنافذ مصلحة في الفساد أيضاً، لأن نهاية الفساد غالباً ما تكون فقدانه امتيازاته في نهاية المطاف، أو بقاؤها تحت التهديد. وقد برهنت الأحداث العربية أن أحداً لا يكون في مأمن عندما يستشري الظلم وتتراكم مشاعر السخط، حتى تتحول المجتمعات إلى اشتباك مفتوح يقود إلى فشل الدول بما فيها ومن عليها.
ما تزال لدينا فرصة ذهبية للتعلم من الدروس واستدراك الأمور. وأتصور أن مكافحة الفساد ستبدأ أولاً من إرادة سياسية مستنيرة لإعلاء شأن القوانين والقواعد وتطبيقها على الجميع بلا استثناء. وإذا لم تكن الضمائر الشخصية كافية لردع النزوع المرَضية عند الأفراد إلى تجاوز المبادئ وتغليب المصلحة الذاتية على مصلحة المجموع، فإن فرض قانون عادل يضمن الحقوق وتساوي الفرص سيكون الضامن الأكيد لمحاصرة وحش الفساد، وتحقيق المصالحة الاجتماعية اللازمة لمواصلة الطريق.

التعليق