وداعا للغرب

تم نشره في الثلاثاء 20 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

يوشكا فيشر*

برلين- الآن بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أصبحت نهاية ما كان يسمى حتى الآن "الغرب" مؤكدة. كان هذا المصطلح يَصِف عالَم الأطلسي الذي نشأ وتبلور نتيجة لحربين عالميتين في القرن العشرين، والذي أعاد تعريف النظام الدولي خلال الحرب الباردة التي دامت أربعة عقود من الزمن، وهيمن على الكرة الأرضية -حتى الآن.
لا ينبغي لنا أن نخلط بين "العالم الغربي" و"الغرب". فعلى الرغم من أن ثقافة العالم الغربي ومعاييره وديانته السائدة غربية المنشأ في الأصل، فمن الواضح أنها تطورت إلى شيء مختلف بمرور الوقت. وقد تشكل الطابع الأساسي للغرب على مدار قرون من الزمن بفِعل منطقة البحر الأبيض المتوسط (وإن كانت بعض أجزاء أوروبا الواقعة شمال جبال الألب قدمت إسهامات مهمة عديدة في تطوره). أما العالَم الغربي فهو في المقابل عبر أطلسي، وهو وليد القرن العشرين.
عندما بدأت الحرب العالمية الأولى، كانت صراعاً أوروبياً بين القوى المركزية والتحالف بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. ولم تتحول إلى حرب عالمية حقيقية إلا في العام 1917، عندما دخلت الولايات المتحدة المعمعة. وهذه هي اللحظة التي بدأ ما نسميه اليوم "العالَم الغربي" عندما بالتشكل.
بوسعنا أن نقول إن شهادة ميلاد العالم الغربي صدرت أثناء الحرب العالمية الثانية. ففي آب (أغسطس) من العام 1941، بعد أن غزت ألمانيا النازية الاتحاد السوفياتي، التقى رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والرئيس الأميركي فرانكلين د. روزفلت على متن سفينة حربية قبالة سواحل نيوفاوندلاند، حيث وقعا على ميثاق الأطلسي. وفي وقت لاحق تطور ذلك الاتفاق إلى منظمة حلف شمال الأطلسي، التي عملت طوال أربعة عقود من الزمن على تمكين تحالف الديمقراطيات المستقلة التي تحمل قيماً مشتركة وتتبنى اقتصاد السوق من الصمود في وجه التهديد السوفياتي -وهي أيضاً المنظمة التي عملت على حماية أوروبا حتى يومنا هذا.
الأمر الأكثر أهمية هو أن العالَم الغربي تأسس على تعهد أميركي بالدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة. ولا يستطيع النظام الغربي أن يبقى من دون الدور الحاسم الذي تلعبه الولايات المتحدة، والذي ربما تتخلى عنه في ظل ترامب. ونتيجة لذلك، أصبح مستقبل العالَم الغربي نفسه الآن على المحك.
لا أحد يستطيع أن يجزم بالعواقب التي قد يخلفها انتخاب ترامب على الديمقراطية الأميركية، أو ماذا قد يفعل عندما يتولى منصبه رسمياً. ولكن بوسعنا أن نخرج بافتراضين معقولين. فأولاً، سوف تكون رئاسته شديدة الإرباك للسياسة الداخلية والخارجية الأميركية. فقد فاز ترامب بالرئاسة عن طريق خرق كل قاعدة مكتوبة للسياسة الأميركية تقريباً. وهو لم يتغلب على هيلاري كلينتون فحسب، بل وأيضاً على مؤسسة الحزب الديمقراطي. وليس هناك من الأسباب ما قد يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه سوف يتخلى فجأة عن الاستراتيجية التي مكنته من الفوز بحلول العشرين من كانون الثاني (يناير).
ويمكننا أن نفترض أيضاً أن ترامب سوف يتمسك بشدة بتعهده "بجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"؛ وسوف يكون هذا هو الأساس لرئاسته، مهما كلفه الأمر. والواقع أن الرئيس السابق رونالد ريغان، وعد بهذا أيضاً، لكنه عكف على تحقيق هذه الغاية حينما كانت الولايات المتحدة، المستغرقة حتى ذلك الوقت في الحرب الباردة، قادرة على تبني نهج إمبريالي. وعلى هذا، واصل ريغان إعادة التسليح على نطاق واسع إلى الحد الذي أدى في نهاية المطاف إلى انهيار الاتحاد السوفياتي؛ كما مهد الطريق للازدهار الاقتصادي الأميركي من خلال زيادة هائلة في الدين الوطني.
وفي المقابل، لا يملك ترامب ترف تبني نهج إمبريالي. بل على العكس من ذلك، فخلال حملته الانتخابية، كان حريصاً على توجيه الانتقادات للحروب العقيمة التي خاضتها أميركا في الشرق الأوسط؛ ولا يرغب أنصاره في شيء أكثر من رغبتهم في تخلي الولايات المتحدة عن دور الزعامة العالمية والانسحاب من العالَم. صحيح أن الولايات المتحدة التي تتحرك نحو القومية الانعزالية سوف تظل الدولة الأعظم قوة في العالم بفارق كبير؛ ولكنها لن تستمر في ضمان أمن الدول الغربية ولن تواصل الدفاع عن النظام الدولي القائم على التجارة الحرة والعولمة.
تتعلق الأسئلة الوحيدة المتبقية الآن بمدى سرعة تغير السياسة الأميركية، وإلى أي حد قد تكون هذه التغييرات جذرية. وقد تعهد ترامب بالفعل بإلغاء اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ الذي يضم 12 دولة -وهو القرار الذي يعادل منح الصين هدية عظيمة، سواء أدرك ذلك أو لم يدركه. بل وقد يعطي الصين هدية أخرى: الحد من التزام الولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي. وربما تجد الصين نفسها قريباً الضامن الجديد للتجارة الحرة العالمية -بل وربما أيضاً الزعيمة العالمية الجديدة لجهود مكافحة تغير المناخ. عندما يتعلق الأمر بالحرب في سورية، ربما يسلم ترامب ببساطة هذا البلد الذي دمرته الحرب للرئيس الروسي فلاديمير بوتن وإيران. ومن الناحية العملية، سيكون من شأن ذلك أن يقلب موازين القوى في الشرق الأوسط، مع عواقب وخيمة تتجاوز حدود المنطقة؛ ومن الناحية الأخلاقية، يمثل هذا خيانة قاسية للمعارضة السورية وهدية للرئيس السوري بشار الأسد. إذا أذعن ترامب لبوتن في الشرق الأوسط، فلا بد أن يتساءل المرء عما قد يفعل عندما يتعلق الأمر بأوكرانيا، وأوروبا الشرقية، والقوقاز. هل ينبغي لنا أن نتوقع مؤتمر يالطا الثاني للإقرار بمجال نفوذ بوتن الجديد بحكم الأمر الواقع؟
إن المسار الجديد الذي سيرسمه ترامب للولايات المتحدة واضح بالفعل منذ الآن؛ ونحن لا نعلم مدى السرعة التي قد تبحر بها السفينة بقيادة ترامب. لا شك أن الكثير سيتوقف على المعارضة (الديمقراطية والجمهورية على حد سواء) التي قد تواجه ترامب في الكونغرس الأميركي، وعلى مقاومة غالبية الأميركيين الذين لم يصوتوا لصالحه.
ولكن، لا ينبغي لنا أن نستسلم لأي أوهام: إن أوروبا أضعف وأكثر انقساماً من أن تتمكن من القيام بأعمال الولايات المتحدة استراتيجياً؛ وفي غياب الزعامة الأميركية لن يتمكن العالَم الغربي من البقاء. وبالتالي، يكاد يكون من المؤكد أن العالَم الغربي كما يعرفه كل من هم على قيد الحياة اليوم تقريباً سوف يتلاشى أمام أعيننا.
ماذا بعد ذلك إذن؟ بوسعنا أن نجزم بأن الصين تستعد لملء الفراغ الذي سيتخلف عن تقهقر أميركا. وفي أوروبا، انفتحت سراديب النزعة القومية؛ وبمرور الوقت، سوف تُطلِق مرة أخرى شياطينها على القارة -والعالَم.

*وزير خارجية ألمانيا ونائب مستشارها في الفترة من 1998-2005، وهي فترة تميزت بدعم ألمانيا القوي لتدخل حلف الناتو في كوسوفو في العام 1999، تلتها معارضتها للحرب في العراق. دخل فيشر السياسة الانتخابية بعد مشاركته في الاحتجاجات المناهضة للمؤسسة الستينيات والسبعينيات، ولعب دوراً رئيسياً في تأسيس حزب الخضر في ألمانيا، وقاده لما يقرب من عقدين.
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق