سائد كراجة

لأهل الهيّة من قلبي سلام

تم نشره في الأربعاء 21 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:02 صباحاً


الأردن في مرمى النار. وللأسف، لا نستطيع أن نَعِدَ أنفسنا أن عملية الكرك ستكون آخر عمل إرهابي ضد الوطن. ونحن ننحني إجلالاً لأبطال القوات الأمنية، ونتأسف على أرواح جميع ضحايا الحادث الآثم من المواطنين والأجانب، نتأمل هذا الحادث ونقول:
التفاف الشعب الأردني حول الدولة والأمن ودولة القانون مذهل. ومع أن الروابط العشائرية والعائلية جد مهمة وأساسية في مجتمعنا، فإن أي شخص يعتدي على الدولة والقانون والنظام يصنف فوراً أنه من أعداء الأردن، وتصطف عندها العشائر والعائلات وعموم المواطنين حول الدولة للقضاء عليه. وهذا الأمر وإن بدا عادياً للبعض، فإنه مذهل بالمقارنة مع ظروف الدول المحيطة بنا، حيث انقسم مواطنوها إلى فئات متحاربة متقاتلة على أسس عشائرية وطائفية وجهوية. وهذا رصيد وثروة للدولة الأردنية غير مسموح أن نستنزفهما أو نفرط بهما.
إن الشباب الذي انخرط في الجماعات الإرهابية، ليس معنياً حقيقة بارتفاع مديونية البلد، ولا بمحاربة الفساد، ولكنه شباب رافض لشكل المجتمع، وخارج عن الدولة والمجتمع خروجاً عقائدياً وأيديولوجياً "متديناً". وتمدهم هذه الأيديولوجيا بطاقة غير محدودة من القدرة على التخريب والإرهاب، لأنهم ببساطة يعتقدون أنهم يحققون ذواتهم ويخدمون أهدافاً زُيّن لهم أنها نبيلة. والسؤال الذي يثور: أين وكيف ومن يقوم على غسل أدمغة هؤلاء الشباب؛ فيحولهم إلى قتلة تحت أنظارنا، حتى إن الواحد منهم قد يطلق النار على رجل أمنٍ من أبناء عشيرته أو عائلته؟! وأين نحنُ وأين الدولة والأسرة والمجتمع المدني أثناء تجنيد هؤلاء الشباب؟ ذلك أن أعمال تجنيدهم لا تتم في يوم واحد، بل إنهم يرسلون لنا رسائل عن بداية انخراطهم في خلايا إرهاب بتغيير ظاهر في أشكالهم وملابسهم وخطابهم وتعاطيهم مع المجتمع، ومع ذلك يبقى الكل خاملاً ينتظر عملاً إرهابياً منهم. وهنا أقول إنني لا أصدق تبني "داعش" لعمليات هؤلاء الشباب، ذلك أن تنظيمهم صار ذاتياً وهم ليسوا نموراً وليسوا خلايا نائمة، بل إنهم يتكاثرون وينمون أمام عيوننا، ولكننا جميعا نتلهى في تحليل ظاهرة الإرهاب من دون أن نقدم إسهاماً عملياً واحداً على الأرض لمنع انتشاره.
مكافحة الإرهاب وإن كانت عملاً أمنياً مخابراتياً بامتياز، فإنها أيضاً عمل مجتمع مدني ومدارس وجامعات، وإن تجفيف منابع الإرهاب إلى جانب ملاحقته أمنياً، يكون بتقديم بدائل ثقافية اجتماعية، وطبعاً اقتصادية، لهؤلاء الشباب، يحققون من خلالها ذواتهم ويؤمّنون مستقبلهم. وهذا الكلام ليس إنشاء؛ فأجهزة مخابرات العالم كله وقواه الأمنية لم تستطع وقف الإرهاب في بلادها، وهذا يثبت أن الاقتصار على الحلول الأمنية لن يحقق نتيجة قط. وتغنينا بالأمن والأمان يستوجب أن نساهم فعلياً وعملياً ويومياً في توفير بدائل للشباب عن الفكر الإرهابي ومصادر تمويله.
نعم، المواطن شريك للدولة والأجهزة الأمنية في محاربة الإرهاب. وإن يقظة المواطن الذي اتصل بالأمن في الحادث الأخير دليل على ذلك. لكن أيضاً تنظيم مشاركة المواطنين مع الأجهزة الأمنية مهم وضروري. وأحياناً المواطن يعرقل الجهود الأمنية من حيث هو لا يقصد، ولهذا أدعو إلى تفعيل فكرة الجيش الشعبي بما يتضمنه ذلك من تدريب للمواطنين على كيفية مساعدة الأجهزة الأمنية في هذه المعركة الطويلة مع الإرهاب، وبما في ذلك التوعية للتعامل مع المعلومات والإعلام بما يخدم معركتنا المشتركة ضد الإرهاب والإرهابيين.
بقي أن نقول إن تصوير وترويج تصورات وأفكار وتحليلات بأن الدولة وأجهزتها مقصرة في مكافحة الأعمال الإرهابية، هو خدمة مجانية لجميع أعداء الوطن. وللأسف، فإن كثيراً من منابر التواصل الاجتماعي، تتحول من حيث لا تقصد، إلى منابر مؤازرة للإرهاب بما تبثه من أقاويل وإشاعات. ولكن في المقابل، نقول للمسؤولين جميعاً: ولّى عصر الوزير أو المسؤول المحصن، وكلكم في أعمالكم تحت البث المباشر للمواطنين. كما أن على الدولة مراجعة أدائها وأدواتها وخصوصاً الإعلامية في التعامل مع هذه الأحداث، فإن التكميم في التواصل الإعلامي مع المواطنين يزيد من حالة القلق.
لأهل "الهيّة" وللمواطنين جميعاً عظيم العزاء والمواساة، وإنه ولاء وانتماء وتضحية للأردن حتى النصر.

التعليق