هل يتم التفوق على ترامب؟

تم نشره في السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:00 صباحاً
  • مجموعة من أنصار الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب - (أرشيفية)

إليزابيت أندرو*

واشنطن العاصمة - ليست هذه مدينة تعج بروح الأعياد. ومع توجه الكونغرس لبدء عطلته، يسود شعور بأن هناك نذير شؤم يلوح في الأفق. وقد يحاول الناس تجنب مناقشة التنصيب المنتظر في 20 كانون الثاني (يناير) للرئيس المنتخب دونالد ترامب، لكن هذا الموضوع لا يظل بعيداً عن النقاش لفترة طويلة.
في الحفل الذي أقامه البيت الأبيض الأسبوع الماضي بمناسبة عيد الميلاد للصحفيين، تساءل الصحفيون عما إذا كان هذا سيكون الحفل الأخير من نوعه لسنوات قادمة. فمن الصعب تخيل أن يستضيف ترامب، الذي لا يحب الصحافة، مثل هذا الحدث، ناهيك عن وقوفه إلى جانب زوجته ميلانيا لتحية كل ضيف من الضيوف كما فعل باراك وميشيل أوباما على مدار ثماني سنوات. وتندَّر أحد الصحفيين بأن حفل عيد الميلاد القادم سيقام في فندق ترامب الدولي الذي افتتح مؤخراً على مقربة من البيت الأبيض، وبأن المدعوين سيدفعون نظير حصولهم على المشروبات في ذلك الحفل عند إقامته.
بالطبع، إذا كان حفل عيد الميلاد للصحفيين هو السابقة الأولى الوحيدة التي سيكسرها ترامب وفريقه، فلن يزعج ذلك أحدا. لكن ترامب أظهر حتى الآن عدم اكتراث باللوائح والقواعد وعدم احترام للقيود، مما يعني أن من الصعب التنبؤ بأعماله، وهو ما خلق شعوراً بين الديمقراطيين والجمهوريين على السواء بالشك والقلق. لكن القلق يتجاوز واشنطن: فالكثير من المواطنين العاديين في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى يتخوفون بالتأكيد من عواقب إدارة ترامب.
مع أخذ تقلب ترامب بعين الاعتبار، ينظر الكثيرون إلى وزرائه من أجل العثور على إشارات تدل على  توجه البلاد خلال السنوات الأربع القادمة. لكن النتائج حتى الآن لا تبعث على الطمأنينة، لأسباب ليس أقلها أنه أظهر ميلاً إلى اختيار جنرالات لإدارة وكالات مدنية -ثلاثة حتى الآن- كما أن العديد من مرشحي ترامب -في حالة موافقة مجلس الشيوخ عليهم- سيترأسون وكالات كانوا يعارضون مهمتها.
اختار ترامب بيتسي ديفوس لتكون على رأس وزارة التعليم، وهي وريثة فاحشة الثراء تشتمل سيرتها الذاتية على جهود كارثية لخصخصة المدارس في ولاية ميتشيغان. واختار ترامب أندي بوزدار، وهو مالك سلسلة مطاعم وجبات سريعة ومن معارضي رفع الحد الأدنى للأجور إلى مستويات ملائمة للعيش أو منح زيادة مقابل ساعات العمل الإضافية، لتولي منصب وزير العمل. وتعارض شركة بوزدار في الحقيقة قوانين ساعات العمل الإضافية. كما أن مرشح ترامب لمنصب المدعي العام، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية الآباما جيف سيسينس، لا يهتم كثيراً لقوانين الحقوق المدنية أو الهجرة.
ثم يأتي اختيار ترامب لبن كارسون ليترأس وزارة الإسكان والتنمية الحضرية. وكان كارسون جراح أعصاب أيد ترامب بعد خروجه من الانتخابات التمهيدية للجمهوريين. وكارسون ليس من مؤيدي البرامج الاجتماعية أو مبادرات الإسكان العادل. وربما كان اختيار ترامب لرجل أسود ليترأس تفكيك الإسكان العام الذي يدعم الأميركيين من أصل أفريقي غطاء جيداً.
ولترؤس وكالة حماية البيئة، اختار ترامب سكوت بروت، النائب العام لولاية أوكلاهوما المنتجة للنفط والغاز، وبروت معارض شرس للتغير المناخي، وكان قد رفع قضايا عديدة ضد وكالة حماية البيئة. وجاء إعلان اختيار بروت بعد فترة قصيرة من تسليم فريق ترامب الانتقالي استطلاعاً لوزارة الطاقة، والذي يسأل عامليها عما إذا كانوا قد حضروا اجتماعات ناقشت التغير المناخي.
أما آخر الأنباء التي جاءت كالصاعقة، فكان اختيار ترامب بعد بحث طويل لركس تيلرسون، الرئيس التنفيذي لإكسون موبيل، لتولي حقيبة وزارة الخارجية. وقد طور تيلرسون في صفقاته الدولية المكثفة التي عقدها والتي لا تضاهي الدبلوماسية، علاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان ترامب لطيفاً معه. والأنباء التي تثير القلق أكثر هي كشف ترامب عن نيته اختيار تيلرسون في نفس اليوم الذي قالت فيه صحيفة "واشنطن بوست" أن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (السي. آي. إيه) توصلت إلى استنتاج مثير للقلق بأن روسيا تدخلت في الانتخابات الرئاسية لمساعدة ترامب على الفوز. ويبدو من المحتمل جدا أن يختار ترامب جون بولتون، وهو من المحافظين الجدد المتحذلقين، والذي ما يزال يدافع عن حرب العراق ويعتقد أن على الولايات المتحدة أن تضرب إيران بالقنابل، ليكون نائباً لتيلرسون.
اختيارات ترامب المحافظة للغاية لإدارته والتي تضم عدداً غير طبيعي من المليارديرات لا تتوافق إطلاقاً مع حملته التي قدم نفسه فيها على أنه بطل للعمال، ورجل الأعمال الذي لا يحمل أيدولوجية والذي يمكنه القيام بالعمل الحكومي. لكن اختياراته تضعه قطعاً في معسكر الأثرياء، مع وجود اهتمام ضئيل بالعمال والطبقة المتوسطة.
يبدو أن ترامب يعتقد أنه إذا ما قدم وسائل سطحية للتهدئة، فسيمكنه صرف انتباه أنصاره عن الاتجاه الحقيقي الذي تسير فيه إدارته. وقد استقطع من وقت الإدارة الانتقالية لعقد تجمعات جماهيرية قليلة، والتي من الواضح أنه يستمتع فيها أكثر مما يهتم بأعمال الحكم، وقد أشاد بصفقته مع كارير التي تصنع السخانات والمكيفات للإبقاء على الوظائف داخل الولايات المتحدة.
لكن الأمر استغرق يومين فقط حتى يدرك العامة أن ترامب وفر عدداً ضئيلاً جداً من الوظائف مقارنة بالعدد الذي زعم أنه تمكن من توفيره. وعندما شكا رئيس نقابة العاملين في الصلب المتحدة علانية، رد ترامب الذي يعرف بعدم تحمله للنقد في مشاحنات على موقع تويتر، وألقى اللوم على رئيس النقابة في فقدان الوظائف. ولن يمر هذا الأسلوب بسهولة على الكثير من الموظفين من غير العمال، الذين دأب ترامب على التودد إليهم خلال حملته. وقد يؤدي استخدامه المفرط لتويتر كمنصة لأعمال التنمر التي يقوم بها إلى نتائج عكسية.
قد يواجه ترامب أيضاً معارضة أكثر مما يتوقع في مجالات أخرى. ومع تحرك إدارته لإزالة اللوائح البيئية، فمن المحتمل أن يجد جمهوراً أقوى بكثير ومؤيداً للهواء النظيف والمياه النظيفة أكثر مما كان يعتقد.
وسوف يقدم الديمقراطيون، وهم أقلية في مجلس الشيوخ، استجوابات قاسية للمرشحين في إدارة ترامب، مما قد يتسبب في استبعاد مرشح أو اثنين. لكن الجمهوريين هم الذي تجب مراقبتهم، حيث يعارض قادة الجمهوريين مُسبقاً تهديدات ترامب ببدء حرب تجارية. وإذا ما ضغط عليهم أكثر، فقد يصبح ترامب جنرالاً يقود عدداً قليلاً من الجنود.
وقد يزداد استياء الجمهوريين –بل أن من المرجح حدوث ذلك- إذا لم يفصل ترامب بصورة كافية مصالحه الخاصة عن مسؤولياته العامة، مما قد يسبب له الحرج. ولا شيء يمكن أن يعمل مثل فضيحة جيدة أو اثنتين لتثبيط عزيمة الاتباع غير المتحمسين أصلاً. ومن المفترض أن تكون حملة ترامب ضد هيلاري كلينتون قد علمته هذا الدرس.
*مساهمة دائمة في "نيويورك ريفيو أف بوكس"، آخر أعمالها "جورنال واشنطن: تغطية ووترغيت وسقوط ريتشارد نيكسون".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق