الأردن رئتنا الثانية

تم نشره في السبت 24 كانون الأول / ديسمبر 2016. 12:04 صباحاً

حينما يتألم الأردن، فإن الألم يمتد في شرايين منطقتنا كلها، لأن الأردن الحاضن لشعوب المنطقة المنكوبة. فالموقف الوطني والإنساني من الإرهاب يبقى واحدا، في كل مكان وكل زمان. لكن من الطبيعي أن تكون حرارة الموقف أعلى حينما تكون الجريمة في بيتك، بقربك، في رئتنا الثانية؛ الأردن. والقلب مع الأردن، ومع عائلات الشهداء والضحايا. ووقفة الشعب الوحدوية تثير الاعتزاز وتشكل أنموذجا يحتذى.
سلسلة الجرائم التي وقعت في الكرك وغيرها، إن كانت في الأيام الأخيرة أو ما سبقها، تثير فينا حالة الغضب الشديد. فهذا الإرهاب الدموي هو امتداد لما تشهده دول المنطقة في السنوات الأخيرة، وهو في تصاعد مقلق متواصل. ولا يمكن أن يكون الموقف مجزوءا وانتقائيا في مواجهة هذا الارهاب في كل مكان، في المنطقة ودول العالم. لا يمكن أن يكون الموقف مشروطا، ولا بنصف لسان. لا يمكن البحث بسراج وفتيلة عن مبررات لإرهاب دموي شرس، لا يسعى إلا لسفك الدماء. كما لا يمكن إصدار موقف حازم من هذه الجرائم، وفي الوقت ذاته التمسك بمواقف ورؤى، هي بحد ذاتها تشكل أرضية خصبة لهذه الجرائم.
قد تختلف الرؤى والتحليلات حول الخلفيات والمسببات، إلا أن هذا يجب أن لا يمنع وضع كل الخلافات جانبا، كي تكون المواجهة حازمة. والقاعدة الشعبية المتينة هي شرط مهم لاجتثاث الجريمة المستمرة. إن وقفة الشعب في الأردن، كما ظهرت في وسائل الإعلام وفي شبكات التواصل الاجتماعي، من كل الطيف السياسي، تثير الاعتزاز. وهذه النخوة والشهامة في مواجهة الإرهابيين ميدانيا، تدلان على حرص الشعب على الحفاظ على البيت الواحد، على الوطن الواحد؛ حقا إنه مشهد ليس مألوفا في منطقتنا.
الأردن، الذي احتضن الشعب الفلسطيني المنكوب، بات ملجأ للشعوب التي نكبت في المنطقة بحروبها؛ لبنان والعراق وسورية. وتدفق اللاجئين بهذا الحجم، الذي من الصعب أن تستوعبه دولة ذات موارد محدودة كالأردن، ما كان سيتم لولا دفء الاستقبال والاحتضان، رغم كل الصعاب.
الأردن، بات رئتنا الثانية التي نتنفس منها، في ضرورات الصمود في الوطن. ولا يمكن تخيل أوضاعنا، نحن فلسطينيي 48 اليوم، لولا انفتاح الأردن علينا وانفتاحنا على الأردن، على مدى السنين الأخيرة. فهذا الانفتاح غيّر الكثير من تفاصيل الحياة، وساعد أكثر في مواجهة التحديات التي فرضتها علينا المؤسسة الصهيونية، لتسد أبواب ومسارات التطور المستقبلي، لمواجهة الحياة.
والتطور هو شرط أساسي لدعم الصمود في الوطن، الذي لا وطن لنا سواه؛ فالصهيونية تسعى على مدى عشرات السنين، إلى أن تبقينا شريحة ضعيفة مستضعفة، متخلفة، فقيرة اقتصاديا واجتماعيا، بعيدة عن عملية التطور العصري، كي نكون أضعف في المواجهة؛ في حقنا بالحياة في وطننا. وما نحن عليه اليوم، ورغم الفجوات التي نعاني منها، حققناه على الرغم من الصهيونية وسياستها.
إن تدفق عشرات آلاف الطلبة للدراسة الجامعية في الأردن، على مدى السنين، غيّر في مجتمعنا كل طبيعة سوق العمل العصرية التي تسد نوافذها علينا العنصرية الصهيونية. اليوم، ترتفع نسبة الأطباء بيننا، وكذا نسبة العاملين في مسارات العمل كافة؛ الطبية والصحية والعلاجية، بفعل هذا الانفتاح. وما كان يمكن أن يكون هذا، لولا الاستقبال الدافئ والحاضن، على المستويات كافة، الرسمية والشعبية. وليس العلم وحده، بل إن الأردن رئتنا الثانية، لأنه نافذتنا على منطقتنا.
إن الأردن الآمن هو حق أساس، وحاجة الأردن أولا وأخيرا. هذا الحق إنساني أولا، ووطني أولا. ونشارككم في هذا الحق، أيضا من باب الموقف الانساني أولا، والوطني أولا، ولأنها سلامة رئتنا الثانية.. أولا.

التعليق