رسائل غادة إلى أنسي الحاج: نصف قصة

تم نشره في الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2016. 01:00 صباحاً

الرسائل؛ وكأن الورق الذي كان يفتننا ونحن ننتظر الكلمات المشقوقة على سطوره، ما يزال يحمل تلك الرائحة الخلابة، لاقتفاء أثر باذخ في جعل واحدنا يتقلب في مشاعره، ويتلذذ بتلك الغصة البالغة الحنين في صدره، وهو يستدرج ما تحمله تلك الاوراق التي كانت تأتي في مغلفات أنيقة أو بسيطة، ليبكي، أو ليفرح أو ليطئمن على شيء ما، ابن.. اخ، أب، أخت، حبيب او حبيبة، صديق، تعود اليوم، برائحتها المعتقة، بعدما انفلت عقال فكرتها كاملا، ليضحي مجرد كلمات سريعة، تكتب على عجل على جهاز الهاتف المحمول، أو عبر بريد أليكتروني، ولا نعرف ما ستأتي به الايام لتغير من رائحتها تلك.
كانت أيامها تحتفي برشة عطر، أو اثر لدمعة، ولكنها هذه المرة، تحتفي بما نشرته الكاتبة غادة السمان قبيل وقت تحت عنوان “رسائل أنسي الحاج إلى غادة السمان”، والصادر عن (دار الطليعة) في بيروت، لتبدو كلحظة مستلة من تاريخ شخصي، كعادة الرسائل طبعا؛ وهي هنا، ليست شخصية محضة، بل تخرج من النسيان الطويل، لتقدم وجبة شهية للفضول، وسلة محشوة بالسجالات حول القيمة التي تنطوي عليها مثل هذه المهمة المشحونة بالمباغتة، والمكررة أيضا، على يدي غادة، التي تعيش صمتا شاقا عن الحضور بالكتابة، منذ أعوام.
وكأنها بهذه “الرسائل” التي بعث بها صاحب “لن” و”الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع” و”الوليمة”، وغيرها من الاضافات المدهشة في الشعرية العربية الجديدة، تلقي بحجر في بركة قلقة أساسا، لتبدي غادة السمان، وكأنها حضرت، أو تراقص طيفا حاضرا بروحه وجسده وشعره في صالة الشعر المسكون بروح طهرانية، تتفقدنا نحن الشعراء يوميا.
هل هو رقص إذن؟
والرقص؛ حالة تنطوي على الفرح، يبقى أثره في الذاكرة، لبرهة، برهات ربما، لكنه لا يؤسس لدهشة مديدة، عادة الدهشة انها قصيرة. ما ان تسمع بكتاب جديد يحمل رسائل لشاعر بقامة انسي الحاج، حتى تدهش، وحين تعرف أن غادة هي من تنشره لأنه يخصها، تصاب بالتوقف مليا، لتقر بأن الأمر مريب وجميل ولذيذ في آن.
حين نشرت غادة رسائل غسان كنفاني اليها قبل أعوام، أثارت ضجة كبيرة. لم يكن “المسج الاليكتروني” بعد مستفحلا، وبدت كما لوانها فضت مقدسا، دنسته، فغسان ليس مجرد كاتب، كان أيضا مقاتلا في الثورة الفلسطينية، والثوار لهم قداستهم، يجب ألا يحبوا، ولا يتبادلوا الرسائل في الذهنية الصنمية التي سيدت النمطية، وما تزال.
رسائلها الى أنسي -أتحدث عنه كصديق، مع أني لم ألتق به، تبدو على غير ما فعلته مع رسائل غسان، لكن المتفق عليه، أننا دائما نقرأ رسائلهم اليها، ولا نقرأ رسائلها اليهم، ونسمع منها عنهم ولا نسمعهم، لانهم رحلوا، ولانها من تتلقى الرسائل، وعلى أوصيائهم نبش أرشيفهم ليجدوا رسائلها إن أرادوا للقصة أن تكتمل.
لا تبدو غادة هنا باحثة عن أكثر من الحنين. لم تذهب الى غير ذلك، إنها تكتب بنشرها لرسائل انسي، نصف قصة، ولا تريد أن تفعل أكثر من ذلك، ليس لأنها لا تمتلك النصف الثاني، بل لأنها تمنح نفسها في اللحظات ما قبل الأخيرة، لحظة ممتعة، مدهشة، تستعيدها، وإن لم تبد لنا موقفها مما كانت عليه جهة انسي، فقد تعلق بها كثيرون، وقد تكشف لنا -ربما؛ أكثر من عاشق لها، هي التي ستظل معشوقة، مجرد طيف، تمضي كراقصة الى حفلة ما، وتترك عطرها وراءها، لا على رسائل تنبض في الكتب، وذاكرة التاريخ الأدبي-الشخصي لشاعر أحب أن أقرأه كلما شعرت بأن العالم يزداد دنسا.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أبدعت (hisham yateem)

    الأحد 25 كانون الأول / ديسمبر 2016.
    أبدعت صديقي