علاء الدين أبو زينة

هواجس اقتصادية..!

تم نشره في الأحد 8 كانون الثاني / يناير 2017. 01:07 صباحاً

إذا كان وجود مكامن قلق اقتصادية عامة سيئاً في حد ذاته، فإن الأسوأ هو عدم رؤية آفاق للتعافي، من نوع دورات النشاط التي تعقب الركود. وربما يكون الأسوأ من الأمرين، هو سيادة شعور بأن الأمور ترجع إلى  الوراء والضغوط تشتد فقط لفترة طويلة نسبياً من عمر الفرد، بما يصاحب ذلك من التوتر وانعدام اليقين. ولعل آخر شيء يريده أحد هو جمهور قلق على حاضره وخائف من مستقبله.
مع الفارق الواضح في التكوين الاقتصادي بين الدول الصناعية المتقدمة وبين الدول النامية، أوقعت المدنية النسبية وبراعة الشركات الجميع في فخ الاستهلاك. وبالنسبة لنا هنا في الأردن، ربما لا يكون بعض استهلاكنا ترفاً إذا رأيناه من جانب الضرورات. على سبيل المثال، يفكر المواطن الذي يبدأ حياته أو في منتصفها في المكان الذي يؤويه هو وعائلته: "إذا كنتُ أدفع أجراً مرتفعاً لبيت لن يكون لي ولا لأولادي في نهاية المطاف، لماذا لا أقترض وأشتري سقفاً وحيطاناً تصبح لي بعد 10 أو 20 عاماً؟
وقد يفكر أيضاً: "إذا كنتُ أعاني كثيراً في تنقلاتي اليومية في غياب نظام نقل عام متطور ومريح، لماذا لا أشتري سيارة خاصة بقرض من البنوك"؟ وفي الحقيقة، لا يُقتصر الأمر على مسائل المنزل والسيارة. إنك إذا كنتَ شاباً متخرجاً حديثاً من جامعة أو حظيت بفرصة عمل، ووجدت الأيام تمر وأنتَ لم تنشئ عائلة، فإن راتبك القليل في أغلب الأحيان سيحيلك إلى خيار الشروع في تأسيس حياتك بالتقسيط. سوف تشتري أثاثك وكهربائياتك وصحون مطبخك بالتقسيط. وستجد أنك دخلت في دورة لا تنتهي من الاقتراض: بعد الأثاث تفكر في شراء السيارة، وبعد السيارة شقة، وبعدها شقة أكبر حتى تسع الأولاد، وحتى تدريس الأولاد في المدارس الخاصة أصبح بالأقساط، والمزيد من الأقساط...
لا شك أن تآكل الراتب الضئيل أصلاً بسبب الأقساط الشهرية مزعج في ذاته. ربما يشعر المرء وهو يشاهد النقود القليلة التي تبقت في يده آخر الشهر بأنه كان يعمل ويشقى عبثاً، وبأن ثمة غولاً يلاحقه ولا يدعه يستريح. وفي الحقيقة، يوجد هذا النوع من حياة الفرد بالتقسيط في بلد مثل الولايات المتحدة نفسها، حيث نسمع أن الناس يعيشون حياة طاحنة لا تتركهم يتنفسون، ويركضون ويركضون. ومع ذلك، لا يمكن أن يكون هذا النوع من الحياة مريحاً إذا غابت شبكة الأمان الاجتماعي، ويزيد سوءًا إذا كان ما يعرضه المستقبل هو المزيد من البطالة، وفقدان الأعمال، وارتفاعات الأسعار، وعودة المغتربين ليبحثوا عن عمل في الوطن، وتكلس البنى التحتية للخدمات وزيادة الأزمات.
لاحظ صديق زائر قادم من دولة غربية كثرة عمارات الشقق السكنية الفارغة في الأردن. واستنتج أن الناس ليسوا قادرين على شراء هذه الشقق، مما سيُفلس المستثمرين الذين قد يكونون مدينين للبنوك. وأضاف من عنده أن فقدان الأعمال والضغط المتزايد على أصحاب الشقق من المقترضين ربما يرغمهم على التوقف عن دفع القروض، حيث تذهب شققهم إلى البيع في المزاد العلني بعد أن يكونوا قد أمضوا دهراً في سداد الفوائد، وليس أصل الدين. ووجدت نفسي أدافع وأقول إن الأوضاع ليست قاتمة إلى هذا الحد، وإن البلد استطاع دائماً البقاء عائماً بطريقة أو بأخرى. لكن ذلك لم يهدئ قلق الحاضرين الذين شكا كل منهم بطريقته. وقال مستثمر صغير منهم إنه يعطي موظفيه شهر إجازة إجبارية من دون راتب بالتناوب، حتى لا يضطر إلى طردهم من العمل، بعد أن كان مشروعه يدر دخلاً لا بأس به قبل فترة، لكنه يتراجع باطراد.
إدراك كافة عناصر ومسببات الأزمة الاقتصادية المحلية وظروف البلد وإمكاناته لا يكفي لطمأنة المواطن. والانطباع الذي هو أن المخطط الاقتصادي أصبح عالقاً في نقطة حرجة بعد سلسلة من الأخطاء المتراكبة والمتراكمة في تكوين اقتصاد منتج. ويبدو أن الحل الذي يذهب إليه الجميع، هو الاعتماد بازدياد على جيب المواطن الذي يعاني أصلاً. والحالة أشبه بالدوران في دائرة، دون العثور على نقطة يمكن تشخيصها كبداية مقنعة لانفراج قادم. والسؤال دائماً: نعم، يمكنني أن أحمل وأتحمل بعض الوقت، ولكن إلى متى، ولأي شيء؟! 

التعليق