مثقفون رماديون

تم نشره في الأحد 15 كانون الثاني / يناير 2017. 01:00 صباحاً

ما يزال المثقف العربي رماديا، مرتهنا لعقدة السكونية وعدم الفعل. لم يترك تقاليد الخوف والترقب مما يمكن أن يجعله في عين الزوبعة إن قال كلمته، وما تزال تقاليد الوعظ والارشاد، هي المرمى الذي يعبث بموقفه مما يدور حوله. قلة فقط، يمكن رؤية مواقف لهم تقترب من الحافة، وتذهب لاجتراح موقف مختلف عما تسيّد اللحظة الساكنة التي تتلقى الامة اليوم، ضربات سقوط مدو بسببها.
كثرة أولئك الذين يتغنون بالوردة فقط، وينسون ان التاريخ الحديث عنها في الثقافة الشفاهية وحدها، أكثر من أن تحتمي به مجلدات الدنيا كلها. لم ينتجوا بعد معرفة خالصة مختلفة، مفارقة للسائد، توقفوا عند ما يحمي رؤوسهم من القلق، ولم يندفعوا خارج الخزان. فالشاعر يطوي ابطه على سطور، تتبدل فيها مواقع الكلمات، ليغدو قاب قوسين مما سبقه، لا جديد فيما قاله، ولا مثير فيما أنتجه، ولا محرك للسؤال في تأملاته التي تقف في قلب الهذيان.
والرسام يرقِّص فرشاته في منطقة عمياء، لا تستطيع ان تثير حتى ذبابة، ولا يمكن ان ترى فيها اكثر من حالة تحاول ان تبدو فنا، لا يقترب من المسكوت عنه، ولا ينقل ما لم نره، ولا يدفع باتجاه إثارة الرغبة في الانتقال من الصورة الصنمية الى الصورة المتحركة.
والموسيقي؛ ينقر اوتاره في منطقة لا تحرض على التأمل، منطقة سمعناها من قبل، لا ابتكار فيها، ولا معجزة يمكنها ان تُنقي الحياة  من الضجر والسخافات التي تلهث فيها أنكر الاصوات.
والكاتب، يتداعى تحت بناية “اللهم نفسي”، مستدرجا ما يمكن له ان يجعله صاحب مكانة هنا او هناك، “يُملس” على الوجع، لا يقترب منه، ولا يريد رؤيته، ولا يحلم بان يقول فيه كلمة حق.. يمارس دوره كشيطان اخرس ببراعة، تجعله ينال الاعطيات، دون ان يرف له جفن.
والروائي، يخاف من ان يهز شعرة في رأس نملة، يلهث وراء حكايته كضبع، يريد ان يقول كل ما قيل، ينقله بالحرف، ويصوغه ببلاهة، دون ان يتمكن من التقدم ولو خطوة واحدة باتجاه تحريك الساكن، انه يكتب ليحشو الورق بالكلمات، لا بالقلق.
أما الصحفي، فحدث ولا حرج، فقد أضحى عمله تبويقا، وممارسة للاسترزاق، أقصى مهمة له هو ان يتحدث عن شارع مليء بالحفر.
وهكذا دواليك.
كل ما ينتج في ثقافتنا اليوم، مسكون بالرمادية، باللاموقف، مسجون في علبة الهراء، يتناولها المثقف كل يوم، كما يتناول قهوته وسجائره، وينتظر مدائح علية القوم وأدناهم لما ينجزه في منفضة السجائر وبقايا القهوة.
لقد خان المثقف مهمته، ومنذ أن لطى في ركن قصي، نائيا بنفسه عن ان يكون مؤسسا للوعي، فاعلا في بنيته، محركا لاختلافه، مجترحا لحركة مغيِّرة، صائغا للتجديد، وقع المحظور، وغاب الوعي في برك الاسونة، وتهشمت القيم واعدمنا القدوة، وأضحى البطل هو من يظهر بكل سذاجة في مواقع، تشترط عليه ان يتدلى بكامل سطحيته في شروط النفاق والدجل للمجتمع والسلطة.

التعليق