في الحاجة لفكر تربوي.. ‘‘الغد‘‘ وعبيدات نموذجا

تم نشره في الثلاثاء 17 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

د. زاهية أبو السميد *

ارتبط اسم الدكتور ذوقان عبيدات بموضوع المناهج المدرسية، فوفقاً لمعلوماتي وارتباطي بقضايا التربية والتعليم لم يصدفني من تصدى لمثل هذه القضايا على صفحات الجرائد بهذه الغزارة، المرفقة بالعزم والمثابرة على مدى سنتين متواصلتين.
يمكن تقسيم هذه المقالات حسب موضوعاتها إلى ثلاث مراحل:
في المرحلة الأولى تمّ تحليل نماذج من محتويات الكتب المدرسية، ففاجأنا عبيدات بربط بعض مفردات هذه الكتب بالفكر الداعشي وذلك بعد تحليل وتفنيد علمي دقيق، مبيناً بوضوح كيف يمكن لهذا المحتوى إذا استغل من قبل بعض المعلمين أن يعمل على غسل أدمغة الطلبة وزرع الكراهية والحقد في نفوسهم، ما يتحول إلى عداء ظاهر لبعض أفراد المجتمع. وهو ما اصطلح على تسميته بالمنهج الخفي، والذي يمكن أن يؤدي إلى كوارث مجتمعية. وبعمله هذا يكون د. ذوقان قد سلط الضوء على مكون هام وأساسي من مكونات شخصية الأفراد.
فلا يمكن لأحد أن ينكر الدور الكبير للمعلمين بتشكيل شخصية الأفراد. كما لا يخفى على أحد ما تمر به مجتمعاتنا العربية من تخبط وعداوات بين أفراد المجتمع أدت وتؤدي إلى استباحة الدم، بما أصبح يطلق عليه السلوك الداعشي. ومن هنا جاءت الحزمة الأولى من هذه المقالات لتضع الأصبع على الجرح، داعية إلى مراجعة فعليه لمحتويات الكتب والعمل على إزالة الغموض، الذي يمكن أن يستغل من بعض المعلمين لغرس أفكار يمكنها أن تكون مجالاً خصباً لنمو الأفكار السلبية والداعشية.
وقد عمل د. ذوقان على إبراز هذه الإمكانية وقدم الأمثلة التوضيحية. كان جريئاً ومباشراً في طرحه، وهذا ما عرّضه لهجوم غير مسبوق وألصقت به التهم من قبل من يعتبرون أنفسهم حماة الدين، والتي وصلت إلى حد تكفيره وتهديده.
كذلك تعرض للهجوم من قبل مسؤولي التربية، إذ اقترب مما يعتقدون أنه حكر عليهم متهمينه بشتى التهم، فهو من الهواة ولا يحق له الاقتراب من تابو المناهج متناسين تخصصه (دكتوراه مناهج) وعمله الطويل في ملاك الوزارة العتيدة، وغاضين الطرف عن مجموعة مؤلفاته في هذا المجال.
وعلى الرغم من موقف الوزارة السلبي منه، لكنها فاجأت الجميع بإحداث تغييرات على بعض مفردات الكتب، بما يتفق مع نقد د. ذوقان.  ومع أن التغييرات بسيطة وسطحية ولم تصل إلى العمق، لكنها جوبهت بثورة غير مسبوقة، ثورة على الوزارة وإمعان بالهجوم على الدكتور متهمينه بأنه وراء هذا التغيير، وعلى الرغم من نفي الوزارة ونفي الدكتور عبيدات لكن ذلك لم يلق آذانا صاغية.
عندما وقفت الوزارة وحيدة أمام سيل الهجوم الذي أدى إلى مظاهرات وإحراق للكتب، لم تجد من يقف في صفها إلا الدكتور ذوقان. فجاءت الحزمة الثانية من المقالات تفند التغيير وتبين أثره على إحداث تغيير إيجابي مع اعترافه بأن هذا التغيير بسيط وسطحي، ولا يرقى إلى الحد الأدنى من المطلوب، وكأنه يردد في سره أول الغيث قطرة. في حين صمت كل الداعمين للوزارة ومؤلفي هذه الكتب. ومع هذا تجاهلت الوزارة هذا الدعم وكل المساعدة التي قدمت لها بالمجان على طبق من فضة.
فعاد الدكتور يقف وحيداً: يجابه هجوماً من الوزارة وهجوماً من مؤيدي الجمود والأمر الأصعب هجوماً من مناصريه الذين رأوا في دعمه للتغيرات السطحية لا مبرر له.
ولكنه لم يتراجع أو ييأس فقد عمل بما يمليه عليه ضميره، وهو يؤمن أن أي تغيير بالاتجاه الصحيح مفيد ويجب تقديره.
بالطبع التغيير الجوهري على المناهج لم يحدث فما العمل؟!!  إذا كنا غير قادرين على إحداث تغيير جوهري على محتوى الكتب، فعلينا أن نعمل على تقديم ما هو موجود بما يخدم الطلبة وينمي تفكيرهم وذلك بالأخذ بيد المعلمين، وتزويدهم بطرق وأساليب تسهل عملهم. فكانت حزمة مقالات المرحلة الثالثة التي توجت عمله، فكأن المقالات السابقة ما هي إلا تقديم للعطاء الكبير والمميز الذي تُرجم إلى حلقات حول تعليم التفكير من خلال المواد الدراسية.
بدأها باللغة العربية فالعلوم ثم التربية الإسلامية منتقلاً إلى التربية الوطنية منتهياً بمادة الرياضيات.
نعم بعث الدكتور عبيدات خلال هذه الحلقات الحياة في مواد جامدة وأدهشنا وهو ينتقل من حلقة إلى حلقة بقدرته على تحويل الجمود في المواد الدراسية إلى أفكار نعيشها، إلى عمل ممتع ومشوق، يعمل في الوقت نفسه على تشكيل مواطن مفكر لا يمكن خداعه أو التلاعب به.  قدم لنا عملاً لو يمكن تطبيقه لاستطعنا تخريج طلبة يتقنون اللغة ويعشقونها، طلبة يكشفون التناقض في الأفكار وينتمون إلى وطنهم ويفهمون أمور دينهم ويتعاملون مع الأرقام بسهولة ويسر ولا يخشونها.
أكثر ما أثار دهشتي وإعجابي في مادة الرياضيات أنه قدم لنا ما يتيح الفرصة أمام القدرة على صياغة أسئلة وحلها، والمعروف في مجال التربية أن صياغة السؤال الجيد لا تتم إلا بعد فهم عميق للمادة.
نعم قدم لنا الدكتور في هذه الحلقات ما يؤهله لحمل لقب المواطن الذي يحمل هم وطنه، واضعاً مصلحة الأجيال نصب عينيه.
نعم قدم ما تعجز مؤسسات كبيرة عن القيام به، وما تفشل مؤتمرات مكلفة من تحقيقه.
نعم عكف الدكتور عبيدات على الدراسة وحيداً وأنتج حلقات في تعليم التفكير لا يقدر عليها إلا موهوب مبدع مؤمن بأن لا خير في علم غير نافع.
لقد منحه الله القدرة على الإبداع فلم يحتفظ بها لنفسه أو ليتاجر بها فقدمها لنا ولكل من يرغب بالتعلم عطاء غير محدود.
يمكن لعمله أن يفيد منه كل من له علاقة بتعليم وتعلم الأجيال آباء كانوا أم معلمين أم مسؤولين أم الطلبة أنفسهم.
ومن منظور ديني يمكن تصنيف ما قدمه الخبير التربوي ذوقان عبيدات في خانة الصدقة الجارية، فهذا هو جوهر ديننا، فأي صدقة أهم من الإسهام في إنقاذ أجيال من خلال توفير المعرفة بالمجان لكل من يرغب بالتعلم. فهو لم يوفر معرفته لمركز تدريبي أو لتضمها صفحات كتاب بما يمكن أن يعود عليه بربح مادي، بل قدم لنا ونحن مرتاحين في منازلنا أو في دوائرنا جهده بالمجان.
ما قدمه من أمثلة تصلح كمرشد للمعلمين يمكن بتدريب بسيط أن تعمل على تسهيل عملهم، وتسهم بنشأة جيل محصَّن لا يمكن اختراقه بأفكار ساذجة.
فبتقديم حلقات التفكير يكون الدكتور ذوقان قد توج سلسلة مقالاته السابقة بعمل غير مسبوق. فالشكر له وبالطبع الشكر أولاً لصحيفة "الغد" التي قامت بعمل مؤسسي واستباقي، مثبتة أن للصحافة الجادة دوراً كبيراً تقوم به، وتسهم من خلاله ببناء مجتمع متماسك.
وفي الختام يحدوني الأمل أن لا يتوقف هذا السيل من العطاء، فأنا على يقين بأن من يقدم هذا العمل لا يزال في أعماقه الكثير منتظراً الفرصة للانبثاق، فالإبداع نبع لا ينضب.
أكرر تقديري لجريدة "الغد" التي احتضنت مثل هذا العمل. والله ولي التوفيق

* مدربة معلمات سابقة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لأمثال عبيدات ترفع القبعات (نضال وزه)

    الأربعاء 18 كانون الثاني / يناير 2017.
    السيده المربيه الفاضله زاهيه
    جاءت مقالتك لتنعش في ذهني حاله من التجدد والأمل بأن يكون مستقبل الاجيال القادمه أفضل من خلال انسان بحجم وقدرة السيد الدكتور دوقان عبيدات
    لقد قرأت كافه مقالاته وأرعبني هذه القدره التي لو حظيت بإهتمام أصحاب القرار لتفوقنا على الغرب لأننا نستحق التفوق فلدينا لغه قويه طيعه متنوعه تستطيع أن تجعل العلم أكثر متعه ولكن ذلك يحتاج للجرأه على التغيير الجذري لبعض الأفكار التي تسقطها المناهج بمعظم المواد لتغسل ادمغه نظيفه وتحولها لعقول متحجره داعشيه
    فقط بوطننا العربي نحتاج للشرفاء الوطنيين القادرين على تحقيق المعادله الاصعب فالتعليم بناء للانسان وهذا البناء عليه يتوقف وجودنا باكمله شكرا لكل ما يضع يده على الجرج ليضمده لا ليزيده نزفا