ترامب بعيون صينية

تم نشره في السبت 21 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

جيفري واسرستورم*

إرفيين - عندما فاز دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني (نوفمبر)، حظي بالكثير من المعجبين الصينيين. ولكن شعبية ترامب شهدت تراجعا بسبب تصريحاته -التي كان أغلبها من خلال موقع تويتر- حول قضايا مثيرة للخلاف، مثل قضية تايوان وبحر الصين الجنوبي. وهذه ليست المرة الأولى التي تسوء فيها نظرة الصين إلى رئيس أميركي بهذه السرعة.
يُذكِرّنا هذا التغير المفاجئ في موقف الصين تجاه ترامب بما حدث مع الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بعد إعادة انتخابه قبل قرن من الزمان. كان الكثير من المفكرين الصينيين في ذلك الوقت، بمن فيهم ماو تسي تونغ الشاب، معجبين بويلسون، وهو أحد علماء السياسة والرئيس السابق لجامعة برينستون. وفي العام 1919 أيَّد ويلسون معاهدة فرساي، التي نقلت السيطرة على المقاطعات الألمانية السابقة في إقليم شاندونغ إلى اليابان بدلا من إرجاعها إلى الصين. وسرعان ما فقد ويلسون بعد ذلك حظوته عند الصين.
كان ذلك التحول مشابها لما يحدث الآن، ولكن الأسباب كانت مختلفة تماما، فقد كانت الصين منذ قرن مضى مُضطرة بسبب ضعف موقفها إلى تأييد ويلسون أول الأمر، ثم إلى النفور منه. أما اليوم، فإن موقف الصين القوي هو الذي يرسم ملامح نظرتها إلى الرئيس الأميركي.
في العام 1916، العام الذي انتخب فيه ويلسون لفترة رئاسية ثانية، كانت الصين تشهد وضعا حرجا. فبينما كان من المفترض أن تكون جمهورية الصين التي تم تأسيسها في العام 1912 كيانا واحدا، شهدت الأراضي الصينية تفككا كبيرا، حيث سيطر القادة العسكريون الأقوياء على مناطق مختلفة في الصين، في الوقت الذي سيطرت فيه القوى الأجنبية -من خلال الرشوة والترهيب باستخدام القوة- على مساحات كبيرة من الأراضي الصينية. وبالنسبة للمفكرين الصينيين، قدم ويلسون بديلا تنويريا مغايرا لأمراء الحرب العدوانيين.
وزادت حُظوة ويلسون لدى الصين بعد ذلك بدرجة تفوق الوصف. وفي العام 1918، ارتفعت شعبية ويلسون -ليس في الصين فحسب- عقب رسالته إلى الكونغرس التي دعت إلى "حق تقرير المصير" القومي. وبعد أن غُضَّ الطرف عن تأييد ويلسون لنظام التمييز العنصري "جيم كرو" في الولايات المتحدة وتأييده لغزو هايتي الذي تم على يديه، تعاطف المفكرون في البلدان التي عاث فيها الاستعمار الإمبريالي فسادا، من مصر إلى كوريا، مع إعلان ويلسون، واعتبروه مخَلِّصا للمضطَهَدين ونصيرا لهم.
تمنى الوطنيون الصينيون على وجه الخصوص أن يزداد انخراط أميركا أثناء حكم ويلسون في شؤون آسيا على نحو يساعد في حماية الصين من الوقوع في براثن اليابان الإمبريالية، ثم مثَّل دعم ويلسون لمعاهدة فرساي بالنسبة لأولئك الوطنيين خيانة شديدة.
يختلف وضع الصين في العام 2016 اختلافا كبيرا عن وضعها في العام 1916. فقد حققت الصين قفزات واسعة في هرمية الاقتصاد العالمي، جعلتها تتخطى حتى البلدان المتطورة. كما أنها الآن كيان موحَّد تحت قيادة قوية، وأصبحت دولة كبيرة جدا، تضم تحت لوائها جميع الأراضي التي كانت جزءا من إمبراطورية تشينغ في أوج مجدها. ولا يُستثني من ذلك سوى تايوان، إلا أن الخيال الدبلوماسي لمبدأ "الصين الواحدة" ما يزال يعتقد بأنهما ستتم، بطريقة أو بأخرى، إعادة دمج الجزيرة الديمقراطية بالبر الصيني السلطوي.
باختصار، لم تعد الصين بحاجة إلى حماية الولايات المتحدة الأميركية، وإنما تريد الصين بدلًا من ذلك رئيسا أميركيا تشغله القضايا الداخلية بدرجة كبيرة، ولا يهتم كثيرا بتقييد صعود الصين كما كان عليه الحال مع الرئيس باراك أوباما. وبتلك الطريقة، قد تتمكن الصين من العمل على إعادة تشكيل علاقات القوى في آسيا على نحو يصب في مصلحتها، من دون أن تضطر إلى القلق من التدخل الأميركي.
قبل إجراء الانتخابات الأميركية، كان ترامب معروفا بتوجيهه اتهامات قاسية إلى الصين، فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية كالتجارة. ولكن عدم اهتمامه الواضح بالسياسة الخارجية أسال لعاب القادة الصينيين. فقد بدا ترامب أكثر ميلا إلى عدم اعتراض طريق الصين من منافسته في الانتخابات، هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية السابقة. وقد انشرحت قلوب القوميين الصينيين لتلميح ترامب إلى أنه سيكون أقل ممن سبقه التزامًا بدعم حلفاء الولايات المتحدة المألوفين في آسيا، مثل كوريا الجنوبية واليابان، بنفس القدر الذي انشرح به قلب الرئيس فلاديمير بوتن لتشكيك ترامب في التزامات أميركا تجاه منظمة حلف شمال الأطلسي –الناتو.
وقد كسب ترامب، مثله في ذلك مثل ويلسون، بعض المشجعين من خلال شخصيته التي تعد غير مألوفة بالنسبة لشخصيات رجال السياسة. وليس ترامب بالطبع من المولعين بالقراءة والمطالعة، ولكن الكثير من الناس راق لهم أنه على ما يبدو يصرح (أو يغرّد) بكل ما يشعر به، فأصبح بذلك يقدم "أسلوبا صريحا في الحديث"، والذي يتعارض بشدة مع أساليب رجال السياسة الأكثر براعة على الساحة، بما في ذلك الرئيس "تشي جينبينغ" الذي يحسب حساب كل كلمة يقولها.
وأججت رغبة مماثلة في "المصداقية" شعبية أحد المسؤولين الأميركيين الآخرين –على الرغم من أن ذلك كان بأسلوب مختلف تماما- هو "غاري لوك"، الذي أصبح سفير الولايات المتحدة في الصين في العام 2011. وقد أثارت الصور الفوتوغرافية التي ظهر فيها "لوك" وهو يحمل حقيبة ظهره الصغيرة ويبتاع القهوة في مقهى ستاربكس -وهي من التصرفات التي قد يشعر كبار المسؤولين الصينيين بالحرج منها- أثارت عددا كبيرا من التعليقات على شبكة الإنترنت، والتي احتفت بـ"لوك" باعتباره موظفا حكوميا فاضلا. وتساءل معجبوه عن مدى اختلاف أميركا عن الصين، حيث أن تنعَّم المسؤولين الفاسدين وذرياتهم المُدلَّلة في الحياة الرغدة يُذكِرّهم بما كانت تفعله الأُسر الإمبراطورية في عصور السلالات الحاكمة.
من الصعب على المرء أن يتخيل أن هذا الاختلاف الواضح بين الولايات المتحدة والصين له أي تأثير في الوقت الحالي، حيث يتواصل ظهور صور منزل ترامب الفاخر في منهاتن والحفلات في نادي "مار - آلاجو" الفاخر. وعلى الرغم من أن أسلوب التواصل الذي يستخدمه ترامب مُلفت للأنظار، وخاصة حينما نقارنه بأسلوب الرئيس "تشي"، فإنه يصبح أقل جاذبية حينما يكون المرء موضع تعليقاته الحادة حول مواضيع حساسة. وكما كانت الصين أثناء ضعفها غير قادرة على الاعتماد على حماية ويلسون، فإنها لن تكون أثناء قوتها قادرة على ضمان أن ترامب لن يقف في طريقها -على الأقل ليس من دون أن يحاول ذلك بطريقة أو بأخرى.

*أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، إيرفن.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق