بصراحة

تم نشره في الأحد 22 كانون الثاني / يناير 2017. 01:06 صباحاً

الصراحة أو المكاشفة والوضوح سمات غائبة عن ثقافتنا، فهي صفة يندر أن تلحظها في التفاعلات القائمة بين الأفراد والجماعات وبين الرؤساء والمرؤوسين والدول والشعوب وفي كل الأوساط تقريبا. في معظم الأوقات نستخدم في حديثنا كلمات لنخلق الوهم بأننا صرحاء  وواضحون، فنغرس في أحاديثنا ومداخلاتنا كلمات مثل "بصراحة" و"بدون مجاملة" و"بصدق"، وفي غالب الأحيان يعبّر استخدام هذه المفردات عن حالة الصراع والتناقض والمعاناة التي تعتمل في صدر الشخص المستخدم لها أكثر مما تعبر عن رغبته في قول الحقيقة. فقد يشير الإسراف في استخدام هذه الكلمات إلى الضيق الذي يعانيه الشخص من فرط المسايرة والمجاملة والإرضاء.
الحرص على إرضاء الآخرين وتلافي غضبهم هي الدوافع الأهم لسلوك المسايرة الذي ظل أبرز ميزة للعلاقات بين الأفراد والجماعات والدول العربية. تربي الأسرة أطفالها على إتقان هذا السلوك وتحرص اللوائح المؤسسية والأنظمة والقوانين على الحفاظ عليه. ويستدعي فن الإرضاء انتقاء عبارات الإشادة والثناء والتفخيم لكل شخص في موقع المسؤولية أو السلطة والخضوع لسلطته التي تكون مستمدة من العمر أو المال أو النسب أو القوة أو القانون أو الدين.
 الكثير من وسائل الإعلام المحلية والعاملين فيها يسرفون في استخدام مفردات من مثل "بصراحة" أو "أكيد" خلال برامجهم العادية وفي سياق أحاديث عادية لا تتطلب الصراحة ولا المكاشفة ولا التأكيد.
في أجواء الحديث عن الصراحة والمجاملة والمسايرة يحدث الكثير من الخداع والتضليل؛ فلدى الأشخاص الذين يتقابلون عشرات الأسئلة التي لا تجد إجابات، بالرغم من طول فترة التفاعل بين الأطراف والحديث حولها، فالبعض يخجل أن يستفسر والآخر يقدم معلومات قد تكون مضللة.  يحدث ذلك في السياسة والحياة الاجتماعية ومواقف الصداقة والزواج  والبيع والشراء.
 حجم المعلومات التي يحصل عليها الأفراد حول ما يعنيهم محدود للغاية بالرغم من وجود تشريعات تقر بحق الحصول على المعلومات. شحّ ومحدودية المعلومات الدقيقة المتوفرة عائد  لأسباب يتعلق بعضها بوجود مؤسسات تحتكر المعلومات وتعمل على توظيفها لخدمة أغراضها، ويرتبط بعضها الآخر بتدني مستوى  دوافع الفرد للبحث عن المعلومات والقبول بما يقال أو يعلن منها ولو ظاهريا.
 للحصول على المعلومات الدقيقة والأكثر صدقية يذهب الإنسان العربي إلى مصادر خارجية  حيث لا وجود للإرضاء والمجاملة والمسايرة التي زيفت الوعي وخلقت وهما وانطباعا بأن ما يقوله الناس في العلن يعبر عن آرائهم وأحكامهم ومواقفهم.
وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت للأفراد فرصا جديدة ليكونوا أكثر وضوحا وصراحة وشفافية بعد أن اختبروا ميزة التفكير والتحليل والتعبير الفردي بعيدا عن ضغوط الوعي واللاوعي الجمعي الذي هيمن على فكرهم وأحكامهم ومواقفهم، "فوضع كل منهم رأسه بين الرؤوس وقال يا قطاع الرؤوس" . المستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي يقرأون الأخبار الرسمية والبيانات والخطط والوعود التي يستقبلها الناس بفتور وشك ويعملون على تحليلها ونقدها والتعليق عليها مستثمرين مساحة الحرية التي أتاحتها لهم هذه الوسائل.
  غياب الوضوح والمكاشفة والصدق هي العوامل التي أسهمت في تزييف الوعي وتضليل الناس وتدهور الاوضاع العامة. من الصعب للمجتمع النهوض ثانية بدون تشكل وعي حقيقي يستند الى معلومات صادقة وأحكام سليمة ومكاشفة تتجاوز حالة المسايرة والتمجيد للواقع  والتغاضي عن العيوب والأخطاء بحجج الحفاظ على السمعة.
في عالم اليوم لا يوجد  شيء يمكن أن يكون في منأى عن عيون الصحافة الاستقصائية ولا عن تقارير جمعيات ومنظمات ومؤسسات الرقابة والرصد التي أصبحنا نعود إليها للتعرف على  ترتيبنا بين دول العالم في الرياضيات والعلوم وحقوق الإنسان والفساد والغلاء وغيرها.

التعليق