قضية الجوفة إنسانية.. لا كودات ولا عشوائيات

تم نشره في الأحد 29 كانون الثاني / يناير 2017. 12:00 صباحاً

انهيار ثلاث بنايات في جبل الجوفة وتصدع أخرى، يكتشف الانهيار الاول، شاب عاطل عن العمل، يحمل شهادة الهندسة المدنية، قبل وقوع الانهيار بنحو ساعتين. سابقا مهندسين يعملون في مؤسسات رسمية، وظيفتهم مراقبة الابنية، وامانة عمان الكبرى بكل مهندسيها ومخططيها. اكتشاف سقوط البناية الاولى، أنقذ حياة نحو مائة انسان، وجنب البلاد كارثة كبرى.
هذه النقطة اختفت من التقارير الرسمية التي تحدثت عن الانهيارات،بينما عرفت الامانة بالقصة كغيرها، مع انه يجب عليها ان تكون على بينة من كل صغيرة وكبيرة حول واقع مباني العاصمة، وامتلاك دراسات وتوقعات وملاحظات ومتابعات وتنبؤات، توضح خطورة وضع اي منطقة هي امينة عليها، فهي مؤسسة متخصصة، ولديها آلاف الموظفين المعنيين بشؤون المدينة.
قبل ايام، بدر من الامانة، ان مباني منطقة الانهيار، عشوائية. وبما انها تحت نظر الامانة، وهي بالضبط خلف المدرج الروماني، يعني انها ترى كل يوم، كان الاجدى ان ينظر للامر من زاوية مختلفة، فهناك كارثة تسببت بوضع انساني لمجموعة بشرية، تعيش اياما صعبة، خرجت من منازلها عنوة، لكن على ما يبدو ثمة محاولة لازاحة القصور باتجاه الاهالي.
لم تتنبه الجهات التي وضعت التقارير حول المنطقة، الى ان المتضررين ينبضون بالخوف والقلق، مما سيكون عليه الحال في مقبل الايام، جراء ما لمسوه من لامبالاة المسؤولين الذين يضعون اللوم على البناء العشوائي، وعدم الالتزام بالكودات الهندسية (مضحكة كلمة كودات لأناس يحتاجون الآن لحل مشكلتهم).
لم يتقدم أحد خطوة لازالة ردم البنايات المنهارة، بحجة ان ازالته خطرة، لكنهم لا يعرفون أن بقاءه أخطر، اذا بقي تحت رحمة أمطار المنخفض الجوي، لانه قد يكشف مزيدا من عورات القصور في خدمة المنطقة، وتعرية قصة العشوائيات، وفضح اهتراء وخراب شبكات الصرف الصحي التي لم تصن منذ مدها في باطن الارض قبل نحو اربعين عاما، وما سببته من تسريب للمياه العادمة إلى اساسات البيوت.
كل التقارير التي صدرت بهذا الشأن، تفيد بان شبكة الصرف الصحي سبب رئيس في مشكلة الانهيارات، وبعضها طعّم سطوره، بعبارات تشير لحمولات المباني والاضافات غير المرخصة من الطوابق لها، متناسين ان منطقة محاذية لموقع الكارثة، انهارت في اوائل ثمانينيات القرن الماضي، وما تزال حالتها كما هي شاهدا على القصور الرسمي.
واعني بذلك، ان المنطقة معرضة للانزلاقات والانهيارات لطبيعتها الجغرافية، وكل من يمتلك الحصافة عليله أن يرى هذه المسألة بالاعتبار، ناهيك عن التشققات التي تغطى بين فترة وأخرى بالاسفلت في شوارع المنطقة، وهي شاهد على عدم استقرارها طبوغرافيا.
ان اغرب ما في قصة التقارير واجتماع اللجان والحكومة حول قضية الانهيارات في جبل الجوفة، انها لم تناقش وضع قاطني المنطقة والخطورة التي تعرضوا لها، وما قد يصيبهم في مقبل الايام جراء ترحيلهم من منطقتهم. لم نسمع او نقرأ فقرة واحدة في تقارير الجهات المعنية، تتحدث عن الجانب الانساني لما اصاب المنطقة، فقط انصب جهد التقارير كلها على خلق مبرر للانهيار.
واذا كان ذلك لا يكفي لكي ينظر لواقع قاطني المنطقة بعين نزيهة، لا تكبدهم اكثر مما تكبدوه، فعلينا التذكر بان الانهيارات كادت ان تتسبب بأذى ارواح كثيرة، وهذه وحدها تكفي لكي يعاد النظر في تلك التقارير وعلى نحو علمي، انساني، حقوقي.

التعليق