جهاد المنسي

لماذا أوروبا؟.. معركتنا ليست في القارة العجوز!

تم نشره في الاثنين 27 آذار / مارس 2017. 12:04 صباحاً

يشدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب على سفر سبع دول عربية وإسلامية إلى الولايات المتحدة، فتحتج شعوب أوروبا، ويخرج أبناؤها بمظاهرات ضد القرار، ويرفضون التوجهات ويعتبرون القرار عنصريا ومتطرفا. كما يخرج أولئك في مظاهرات مماثلة تدين المستعمرات الإسرائيلية في فلسطين، وتقرر دول أوروبية وقف استيراد السلع القادمة من المستعمرات الصهيونية احتجاجًا على بناء مستعمرات في المناطق المحتلة.
بالأثر؛ يتوعد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأوروبيين قائلا: ".. لن يستطيع أي مواطن غربي السير بأمان في الشارع في أي مكان في العالم"!، وتستعصي الأزمة التركية -الأوروبية وصولا لحد كسر العظم، وما تزال شرارتها موقدة، وسط كل ذلك يخرج متطرف داعشي فيقوم بعملية إرهابية في قلب لندن بالقرب من برلمانها، فيقتل من يقتل ويصيب من يصيب.
أمام هذا الواقع الجلي، يحق لنا طرح أسئلة بريئة ولكنها واقعية، أولها لماذا يهدد الإرهابيون أوروبا كلما استشعر أولئك الإرهابيون أن شعوب القارة العجوز مايزالون يحتفظون بقيم الديمقراطية -رغم تحفظنا على بعض سياسات تلك الدول-؟ لماذا يريد الإرهابيون قطع خيوط التواصل بين الشرق والقارة العجوز؟!.
لماذا يريد الإرهاب مد نابه إلى أوروبا؟، ولماذا تسعى أبواقه الإعلامية لإيهام الناس أن أوروبا (تعادي الإسلام، وتشن حملة صليبة علينا!!!!)؟، ولماذا تؤزم تركيا علاقاتها مع أوروبا بهذا الشكل، رغم أنها تستطيع إقامة علاقات متوازنة معها تقوم على الاحترام؟ لماذا تريد تركيا ودول عربية تصوير أوروبا بأنها ضد الإسلام؟ ولماذا تريد تلك الدول إيجاد شرخ بيننا وبين الآخر؟
دعونا نستذكر، ألم تخرج شعوب أوروبية في مظاهرات عارمة ضد منع أميركا للمسلمين من دخول أراضيها؟ ألم تخرج مدن أوروبية كلندن وباريس وبرلين في مظاهرات رفضا للعدوان الصهيوني على غزة ولبنان وضد أنشاء المستعمرات في فلسطين المحتلة؟ فلماذا يريدون منا أن نعادي شعوب أوروبا، ويريدون لشعوب أوروبا أن تعادينا؟!!.
الحقيقة أن معركتنا ليست مع شعوب أوروبا، وليست مع أوروبا بشكل خاص، معركتنا بالأساس مع أنفسنا، مع فكر أسود استوطن في عقول البعض، وبات عنوانا للتخلف والإرهاب، معركتنا مع مستعمرين قضموا الأرض وقتلوا البشر، واستولوا على الحجر، معركتنا مع من شوّه الدين وأوهموا البعض أن الطريق إلى القدس تمر عبر مدن بعيدة عنها.
معركتنا الحقيقية مع خفافيش الظلام، الذين يريدون خطف العقول، وأيهامنا أن أوروبا تعادي الإسلام، وأن عنوان الإسلام يتمثل في تركيا وكفى، وأن كل من يعادي تركيا يعادي الإسلام. معركتنا مع أولئك الذين يعتقدون أنهم دوما على حق ويرفضون الآخر ويخونون كل من ينتقد هذا أو ذاك. معركتنا مع دعاة أشبعونا كلاما عن كل شيء، وصمتوا دهورا عن احتلال الصهاينة لفلسطين. معركتنا مع من خطف الدين وصاغ أحكامه بالطريقة التي يراها مناسبة، وبات يكفر من يشاء ويمنح صكوك الغفران لمن يشاء.
ترى لماذا يهاجم إرهابي مأزوم نفسيا مواطنين في لندن؟! من أقنعه بقتل الناس الآمنين، وماذا تليت عليه من أفكار حتى يؤجر عقله ويذهب لقتل الناس كيفما اتفق.
شخصيا؛ ما أزال أرى أن شعوب أوروبا أكثر تأثرا بقضايا المنطقة، وأكثر ميلا للحق العربي، وأكثر إيمانا بالآخر رغم ما يظهر من ممارسات عنصرية بين فينة وأخرى، وما أزال أرى أن التأزيم مع أوروبا وتهديد شعوبها بشتى أنواعه، اللفظي حينا، والإرهاب حينا، يصب في مصالح الإرهاب، ويبعدنا كثيرا عن المشكلة الحقيقية التي نعاني منها.

التعليق