نادر رنتيسي

سيجارة قبل الإعدام

تم نشره في الثلاثاء 4 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً

 يسألون المحكوم بالإعدام في ساعات الفجر الأولى عن طلبه الأخير. قرأتُ حواراً قديماً أخجلُ أن أسمّيه طريفاً مع سجّان غليظ، متقاعد، كان مكلفاً بإحكام العقد حول الرّقاب، ذكر فيه أغرب الطلبات للصاعدين عنوة إلى السماء: قاتلُ زوجته طلبَ فطيرة الجبنة البيضاء بالبقدونس، تماماً كالتي كانت تعدُّها المغدورة، ومغتصب طفل طلب مشاهدة فيلم “اللعب مع الكبار”، إذ ألقي القبض عليه قبل دخوله إلى دار السينما، أما الأصولي المتهم بقتل سائحة اسكندنافية فصلّى ركعتين، ثم طلب تدخين سيجارة. تفاجأ مندوب النيابة العامة، وسأله: أليس التدخينُ حراماً؟ ردّ الأصوليُّ بالإيجاب، والتأكيد على أنه لم يدخّن في حياته أبداً، لكنه يريد ارتكاب إثم واحد لن يمنعه من دخول الجنة، بعد ساعات!
لستُ قاتلاً، ولا مغتصباً، وما كنتُ أصولياً. أنا مريضٌ فقط، والأطبّاء في مثل حالتي اليائسة يتحولون إلى رجال دين، يعطون المريض طرف الحبل وعليه أن يجرّه إلى ما يشتهي من السنوات، ولحياة خالية من المفاجآت السيّئة ينصحونه بتقليل الملح في الطعام. لكنّي رجل سلبي، وأغلب الأفكار تأتيني في العتمة. لن أدخل إلى كوم القشّ لأبحث عن ثقب النجاة في الإبرة، فأعرفُ أني سأموتُ بعد ساعتين أو سنتين، فلماذا لا أقطعُ الشارع بتهوّر، أو أقود سيارتي بسرعة مائة وستين كيلومتراً في الساعة، وأصطدم بجدار جانبي في النفق الطويل الذي آخره ضوء. أنا محكومٌ بالموت، ولديّ أيضاً قائمة طلبات غريبة، دخلت هذا المساء إلى البيت، وطلبتُ من زوجتي فطيرة الجبنة البيضاء بالبقدونس.. أرجوكم تذكّروا أنّي لست قاتلاً!
وأريدُ للموت أن ينتظر عامين، حتى أشهد نهائيات كأس العالم في كوريا الجنوبية واليابان. ليس من العدل أن أغادر الحياة دون أنْ أتمّ المشوار من التصفيات إلى النهائيات. أعرفُ أنّي أهذي، فالوقوف فجراً أمام المقصلة لن يحدث في العمر سوى مرة واحدة، وهذا الذي أكتبه ربما لن يتاح لي في عُمْر آخر أن أقرأه. إذاً سأكتبُ أيضاً أنّي أريدُ للموت أنْ ينتظر حلّ بعض المسائل السياسية العالقة على الصفحة الأولى من الجريدة اليومية، تلك التي ولدتُ ووجدت أنّي ابن “نكبتها”، أو تلك التي طرأت أثناء مفاصل حياة رجل في خمسين عاماً، يمكن تقسيمها على حربين إقليميّتين وحصار، وانتفاضة، وانقلابات، ومؤتمر واحد للسلام.. أنهى فقط شرّ القتال.
ولي طلبات أخرى هل يهمّ أن أكتبها هنا، وقد قلت لكم بكل شفافية إنّي أهذي مثل أصوليٍّ يسألُ سجّانه أن يعطيه سيجارة قبل الموت. أنا مريضٌ ومحكوم بمرض أعرفُ أنه لن يمهلني طويلاً. صحيح أني لا أعرف كم سيمتدُ حرفا الواو والياء في “طويلاً”، لكني أتمنى أن ينتظرا على الأقلّ حتى أشاهد فيلماً قرأت في إعلاناته الترويجية أنّه سيكون “قنبلة” الموسم، وأنه سيجمع أبطالاً لم يلتقوا في أعمال سابقة، وقصته واقعية جداً، وإخراجه يواكب التقنيّات الغربيّة. لو أنّي أمام المقصلة لطلبتُ من السيّد النائب العام أن يكون لي مشهد صغير جداً في الفيلم المرتقب: ضيفٌ جائع يكون في بيت تخرجُ من مطبخه أشهى روائح الطعام الساخن.. ثمّ يضطرُّ أن يخرج لسبب ما في العقدة الدراميّة للفيلم، ولا يأكلُ شيئاً من ذلك الطعام.. هل الموت أقسى من ذلك؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »سيجارة قبل الإعدام (أمل علي)

    الأربعاء 5 نيسان / أبريل 2017.
    نص رائع جدا بتعبيرية عالية وعميقة رغم بساطتها .. الحياة اللذة المتأخرة دائما ..