ماجد توبة

نعم.. دعونا نتحدث عنه!

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 12:06 صباحاً


تقول منظمة الصحة العالمية إن شخصا من كل خمسة اشخاص في منطقة الشرق الأوسط يعاني من الاكتئاب والقلق النفسي جراء انتشار الصراعات المسلحة وانعدام الأمن والتشريد في هذا الأقليم. طبعا الأردن لا يستثنى من هذا المعدل المرتفع في انتشار الاكتئاب والقلق والأمراض النفسية، حيث تقترب الإحصاءات والتقديرات المحلية من هذه المعدلات.
أرقام "الصحة العالمية" هي الأحدث وأعلنت أمس بمناسبة يوم الصحة العالمي الذي يصادف السابع من نيسان (أبريل) من كل عام، حيث اختارت المنظمة شعارا لهذا العام يقول "الاكتئاب: دعونا نتحدث عنه"، بغية مكافحة حالات الوصم المجتمعي تجاه المصابين بالأمراض النفسية وحثهم على طلب المساعدة، خصوصا أن تقارير المنظمة تشير إلى تزايد أعداد المصابين بالاكتئاب حول العالم إلى 300 مليون شخص.
محليا، قد يكون الشعار الذي اختارته المنظمة ليوم الصحة العالمي "الاكتئاب: دعونا نتحدث عنه"، هو الأكثر حاجة حقا لحالتنا، لكن ليس فقط باتجاه مقاومة الوصمة الاجتماعية للمرض النفسي والخجل من الاعتراف به على أهمية ذلك، بل وأيضا باتجاهات أخرى، رسمية وثقافية واجتماعية تضع مشكلة انتشار المرض النفسي بين الأردنيين في إطارها الصحيح.
الوصمة الاجتماعية والشعور بالعار من الإصابة بالمرض النفسي، سواء من الشخص نفسه أو من ذويه، ليس المشكلة الوحيدة في هذا السياق، بل ثمة مركّب مشاكل وتعقيدات تفاقم من خطورة انتشار الأمراض النفسية، وبقائها في مساحات المسكوت عنه.
إضافة إلى ما تشكله الأوضاع المتوترة في الإقليم من حروب ومعاناة وتشريد، من عوامل تؤثر على نفسية الناس في الأردن وغيرها من دول الإقليم، فثمة أوضاع معيشية واقتصادية صعبة وقاسية، تهيئ التربة الخصبة لزيادة انتشار الأمراض النفسية في المجتمع الأردني، وغيرها من مشاكل وظواهر اجتماعية سلبية. فالبطالة والفقر والحرمان والعوز وعدم قدرة الشباب على الزواج وتكوين الأسرة، في ظل الشعور الطاغي بغياب العدالة الاجتماعية، كله يوفر بيئة خصبة للمرض النفسي وارتفاع أعداد المصابين به.
وجه آخر للمشكلة، هو في غياب الوعي العام بالمرض النفسي وبخطورته، وهو غياب للوعي لا يستثنى منه حتى المسؤولون وتيار واسع من المتعلمين والمثقفين، الأمر الذي ينعكس في احتلال هذه المشكلة ومواجهتها في أدنى سلم الأولويات الوطنية، واعتبارها قضية هامشية رغم خطورتها وآثارها الصحية والاجتماعية والاقتصادية السلبية الكبيرة.
حتى مؤسسات إنفاذ القانون تكاد لا تعترف بالمرض النفسي أو العقلي، أو تعتبر مثل هذه العوامل نوعا من الترف او التحايل، والمتابع بعين دقيقة للعديد من الجرائم التي هزت ضمير المجتمع لا يمكنه تجاهل وقوف بعض الأمراض النفسية والعقلية خلف تلك الجرائم، أو تشكيلها بعدا رئيسيا في أسبابها.
 وقد تكون حالات الانتحار المتزايدة في المملكة سنة بعد أخرى المؤشر الأساسي لمعرفة عمق انتشار الأمراض النفسية، حيث تعود أسبابها، في الغالب، إلى مثل هذه الأمراض، وتجاهل علاجها أو عدم القدرة على ذلك.
أما غياب الوعي على مستوى الأوساط الشعبية، وحتى بين شريحة واسعة من المتعلمين، بوجود الأمراض النفسية فينعكس في الإقبال على الخزعبلات والمشعوذين، ومدعي التقى والدين على اعتبار ان المرض النفسي او المشكلة النفسية مردها اسباب غيبية ميتافيزيقية، لها علاقة بالجن والسحر و"حجابات الشر". ذلك طبعا يظهر ان ازمة غياب الوعي بالمرض النفسي ثقافية أساسا، قبل أن تكون مرتبطة بعامل الوصمة الاجتماعية.  
يفاقم أزمة الثقافة والوعي هذه تردي وعدم كفاية خدمات الصحة والعلاج النفسية في القطاع العام، ونقص الكوادر والمختصين والإمكانيات المادية فيها، بينما يقابل ذلك ارتفاع فاحش في كلفة العلاج النفسي في القطاع الخاص، وفي كشفيات واستشارات وأدوية، ما يفسر جانبا مهما من العزوف عن  اللجوء إلى الطب النفسي.
 لكل ذلك، قد يكون شعار منظمة الصحة العالمية لهذا العام "الاكتئاب: دعونا نتحدث عنه" هو الأنسب لحالتنا في الأردن حقا!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"صراع المعايير" (يوسف صافي)

    الخميس 6 نيسان / أبريل 2017.
    القارئ في غور ما يجري على الساحة العالمية التي اصبحت بؤر توتر وصراع وتغول وافقار وتهميش وحروب ومصادرة للقرار والحقوق والخ ..من تعدي على المنظومة المعرفية المجتمعية التي روافعها القيم والأخلاق وثابتها العقيدة ؟؟؟ هو فقدان الناظم ما بين العلاقات بين البشر كافة والمتمثل في نجاح قوى الشر والطغيان في بتر العلاقة مابين المخلوق وخالقه وإستبدالها بالحسابات المادية والهوى المصلحي الرغائبي؟؟؟ التي وضعت معايير العلاقات في آتون حرب كل يريد لنفسه حتى وعلى حساب غيره مما اوجد الصراع مع النفس والغير مولدة العنف والمرض والإنتحار ؟؟؟؟ ودون العودة للناظم الديني وتشريعه الذي انزله خالق الكون منزوع الهوى المصلحي والرغائبي "يايها الناس انّ خلقناكم من ذكر وانثى وجلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ان أكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير" وبهذا وضع ناظم مابين علاقة الإنسان بالإنسان التي فيصلها علاقته مع خالقه وليس القوة والمال والجاه وزخرف الحياة ورغبات الإنسان ؟؟؟ستزداد الصراعات وآثارها المدمّرة من شتى انواع الأمراض النفسية والجسدية والبئية ؟؟؟؟؟