"زايد للكتاب" تختار المفكر المغربي عبد الله العروي لجائزة "شخصية العام الثقافية"

تم نشره في الخميس 6 نيسان / أبريل 2017. 11:00 مـساءً
  • المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي - (أرشيفية)

عمان-الغد- اختارت جائزة الشيخ زايد للكتاب المؤرخ والمفكر المغربي عبد الله العروي لنيل جائزة "شخصية العام الثقافية" للدورة الحادية عشرة 2016-2017، وذلك بالنظر إلى مكانته "كمؤسس لحراك فكري وثقافي امتد من المغرب إلى المشرق".
ونقل موقع (الجزيرة. نت) عن علي بن تميم الأمين العام للجائزة قوله، إن تأثير عبد الله العروي (84 عاما) "لم يتوقف عند حدود الجامعات والمؤسسات العلمية، وإنما شمل مجالات الفكر السياسي العربي، وطبع كثيرا من الممارسات الثقافية".
ونشر العروي منذ بداية ستينيات القرن العشرين ترجمات ونصوصا ودراسات في عدد من المجلات المغربية والعربية والفرنسية، فصدر له العام 1967 باللغة الفرنسية كتاب "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" الذي شكل انطلاق الحضور الواسع للمؤلف في الثقافة العربية، كما أصبح محط اهتمام الباحثين والدارسين لشؤون الثقافة والتحديث في العالم العربي.
وبعد ذلك العمل التأسيسي ألف العروي مجموعة من الأعمال امتزجت فيها الدراسة الفكرية بالعمل الروائي والترجمة، وذلك في إطار نظرة جديدة مستأنفة للثقافة العربية الحديثة، وما يتصل بها من سياقات وإشكالات وأسئلة ثقافية في القديم العربي أو في الثقافة الغربية.
ويجمع العروي بين المعرفة العميقة للثقافة العربية قديمها وحديثها والثقافة الغربية في مختلف مظاهرهما الفكرية والأدبية والفنية، خصوصا في مجالات الفلسفة والتاريخ والرواية والسينما.
ومن المقرر أن يُقام حفل تكريم الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب بتاريخ 30 نيسان (أبريل) الحالي، خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب حيث يمنح الفائز بلقب "شخصية العام الثقافية" ميدالية ذهبية تحمل شعار الجائزة وشهادة تقدير، إضافة لمبلغ مالي قدره مليون درهم إماراتي (حوالي 265 ألف دولار).
وجائزة "شخصية العام الثقافية" هي جائزة تقديرية تُمنح لشخصية اعتبارية أو طبيعية بارزة على المستوى العربي أو الدولي، تتميز بإسهام واضح في إثراء الثقافة العربية أو العالمية إبداعا أو فكرا، على أن تتجسد في أعمالها أو نشاطاتها قيم الأصالة والتسامح والتعايش السلمي.
ويحصل الفائزون في الفروع الأخرى (الآداب، التنمية وبناء الدولة، أدب الأطفال والناشئة، الترجمة، الفنون والدراسات النقدية، الثقافة العربية في اللغات الأخرى، النشر والتقنيات الثقافية) على ميدالية ذهبية وشهادة تقدير، بالإضافة إلى جائزة مالية بقيمة 750 ألف درهم (حوالي مئتي ألف دولار).
وكان عبد الله العروي درس المرحلة الابتدائية والإعدادية في أزمور، ثم في مدينة مراكش، وحصل على البكالوريا في ثانوية مولاي يوسف بالرباط في العام 1953.
سافر إلى فرنسا لدراسة العلوم السياسية بمعهد الدراسات السياسية في باريس، وتزامن حصوله على الإجازة (البكالوريوس) مع حصول المغرب على الاستقلال.
واصل العروي دراسته العليا ونال دبلوم السلك الثالث في التاريخ العام 1958، وحصل العام 1963 على شهادة "التبريز" (أستاذ مبرّز) في الإسلاميات.
ساعدته إقامته في الولايات المتحدة الأميركية -مدرسا (1967-1972)- على الاحتكاك بالثقافة الأنغلوسكسونية المبنية على التجريب والبراغماتية.
حصل في العام 1976 في السوربون على دكتوراه الدولة عن أطروحة "الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912".
وتقاعد عن التدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس في الرباط في عام 2000ن وتفرغ للتأليف والفكر.
في كتبه ومعالجاته، ربط العروي تحقق النهضة العربية بنقد فكر التراث واستيعاب فكر الحداثة، وركز أكثر على دراسة التاريخ، وبرز ذلك بوضوح في كتبه، إذ انشغل أكثر بمسألة المنهج في تحليله ومعالجته لقضايا الفكر العربي وإشكالاته.
بحسب (الجزيرة. نت)، فإن المشروع الفكري الذي أنتجه المفكر المغربي عبد الله العروي، والذي قدمه من خلال مؤلفات عديدة ومتنوعة، يمثل لحظة مميزة في السياق العربي المعاصر، حيث عبر في كتاباته المتنوعة عن إلمام واسع بالتراث الإسلامي من جهة، وعن استيعاب للأسس التي قامت عليها الحداثة الغربية والفلسفات المعاصرة من جهة أخرى.
وتمتاز كتابات العروي في كونها تغطي مجالات مختلفة، وحقولاً معرفية متنوعة من فلسفة، وتاريخ واجتماع وصولاً إلى الحقل السياسي، فضلاً عن تميز هذا الإنتاج الغزير والمتصل منذ ما يزيد عن نصف قرن بانسجام مضامينه العلمية وأهدافه البحثية، والتي تمثلت كما يقول العروي في "تحديث الفكر والمجتمع العربيين".
من خلال مشروعه الفكري، يسعى المفكر المغربي عبد الله العروي إلى توجيه العقل العربي نحو استيعاب أسس الحداثة الغربية والشروط التاريخية التي أنتجتها، ومن ثم توجيه الفعل باتجاه تحقيق تلك الشروط التاريخية وسلك الأسباب المؤدية إلى استنبات حداثة عربية.
يدور متن العروي كله، حول مفهوم الحداثة، وهو ليس مفهوماً نظرياً يمكن مقاربته بصورة فلسفية مجردة، أو شعاراً يجري رفعه واجتراره بصورة سطحية في زمن كثر الحديث فيه عن التحديث والمجتمع الحداثي، إنما هو -كما يشير المفكر محمد نور الدين أفايه في حديثه عن فكر العروي- "جماع منظومة فكرية تحققت تاريخياً في المجتمع الغربي الحديث، ولم تتحقق لا قبله ولا في غيره من التجارب، وقد تحققت موضوعيا في المجتمع الأوروبي الحديث بالتحديد"، بحيث يمثل المجتمع الأوروبي نموذجاً معيارياً وإطاراً مرجعياً لمفهوم الحداثة.
ويشير العروي إلى أن سلسلة المفاهيم التي قام بإنتاجها والتي مثلت عماد مشروعه الفكري (مفهوم العقل- مفهوم التاريخ- مفهوم الأيديولوجيا- مفهوم الدولة- مفهوم الحرية) إنما هي "فصول من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثة"، فهذه المفاهيم هي المقومات والعناصر المكونة للحداثة الغربية، ومن خلالها اشتغل على إيضاح وبيان ما تمثله هذه المفاهيم/المقومات من دلالات في الفكر الغربي الحديث وما مثلته في السياق الإسلامي التراثي، وعبر هذا التفكيك والتركيب يصل العروي إلى استحالة تحقيق حداثة عربية راهنة من داخل المنظومة التراثية الإسلامية.
وما فتئ الدكتور عبد الله العروي ينبه إلى أن "الحداثة (صارت) تكتسح كل المجالات"، وأن "لا أحد (صار) بمكنته أن يوقفها". ومن هنا يدعو العروي بصورة صريحة إلى ضرورة القطيعة مع التراث، وهي قطيعة تتعلق أولاً وقبل كل شيء بمسألة المنهج، وهي ليست مسألة هيّنة أو شكلية بقدر ما تعبر عن وعي معرفي بهذه "القطيعة التاريخية الحاصلة في واقعنا بفعل الاستعمار، والتي كنت أدعو فقط إلى الاعتراف بها والانطلاق منها"، فالاعتراف بالقطيعة على مستوى النظر يعني إعادة تموقع العقل العربي في السياق التاريخي واستئناف لمسيرة التاريخ.
ويشدد العروي على أن عدم الاعتراف بهذه القطيعة على مستوى النظر قد أدى إلى وقوع العقل العربي في نفق المفارقات التي أعاقت كثيراً إرادة التحديث وأدت إلى التردد والعجز المزمن، فلما كان الواقع العربي الراهن قد تشكل بصورة مغايرة عن النمط التقليدي، فإن عدم فهم الشروط التي أنتجته لا يؤدي -في واقع الحال- إلا إلى حجب الواقع وتكريس التبعية، إذ "أن الاختيار أمامنا هو إما أن نتكلم بهذه اللغة، لغة العقل والمصلحة والقوة، وإما أن نبقى أوفياء للأخلاق والقيم العتيقة ونموت بموتها، ولا سبيل إلى التوفيق بين الماضي والحاضر".
وخلال مشواره، شغل مناصب متعددة، إذ عمل أستاذا زائرا في عدة جامعات فرنسية وأميركية، ومستشارا ثقافيا في السفارة المغربية بالقاهرة وباريس، كما كان أستاذا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.
كلفه الملك الحسن الثاني بشرح أبعاد وأهداف معاهدة الاتحاد العربي الأفريقي مع ليبيا في صيف العام 1984. ونال عضوية أكاديمية المملكة المغربية في 1985، وعضوية المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في 1990 إلى 2002.
انشغل بهموم المجتمع والفكر رغم تقدم سنه، وسجل حضوره ومواقفه بقوة في القضايا والجدالات الكبرى التي تشغل المجتمع المغربي والعربي، وآخرها موقفه الرافض لمقترح استعمال اللغة الدارجة في التعليم، معتبرا إياها عملية انتحارية.
عاش تجربة سياسية بدأت في صفوف اليسار، ورافق المهدي بن بركة فترة غير قصيرة، وسافر معه في إطار حركة عدم الانحياز إلى عدد من الدول الغربية. وكانت بصمته واضحة في صياغة تقرير "الاختيار الثوري" الذي قدّمه بن بركة للمؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية (حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) في العام 1962.
ترشح في 1977 للانتخابات التشريعية في الدار البيضاء باسم حزب الاتحاد الاشتراكي، واختار بعدها أن يترك السياسة ويتفرغ للتدريس الجامعي وحقل الفكر والمعرفة، معتبرا أن من اكتسب تجربة سياسية عليه أن لا يحترفها لأنها ليست مهنة، متأثرا في ذلك بالتجربة الأميركية.
تركه للسياسة بالمفهوم الحزبي لم يحُل دون قيامه بأدوار سياسية في تسعينيات القرن الماضي، من قبيل موافقته على تكليف الملك الحسن الثاني له بالاتصال باليسار الفرنسي العام 1990 و1991، واستثمار علاقاته القديمة معه لتجاوز أزمة توتر العلاقات المغربية الفرنسية حينئذ.
سعى لدى اليسار الأوروبي بشكل عام لإيقاف الحملة الإعلامية والسياسية على المغرب، ورافق الملك محمد السادس لما كان وليا للعهد في زيارات أفريقية وآسيوية وأوروبية.
مؤلفاته تجاوزت الثلاثين، واهتمت بالتاريخ والفلسفة والفكر والرواية والسيرة الذاتية، وهي باللغة العربية والفرنسية، منها "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، و"العرب والفكر التاريخي"، و"أزمة المثقفين العرب"، و"أصول الوطنية المغربية"، و"مفهوم الأيديولوجيا"، و"من ديوان السياسة".
كتبت عن مؤلفاته عشرات المقالات، منها "المثقف الانتقائي بين الدولة والديمقراطية"، و"العقلانية السياسية في فكر عبد الله العروي".
وخلال هذا المشوار الطويل، حصل على العديد من الأوسمة والجوائز والتكريمات، مثل جائزة كاتالونيا بإسبانيا العام 2000، وجائزة المغرب للكتاب عامي 1990 و1997.

التعليق