إبراهيم غرايبة

صعود الأسرة وانحسار المدرسة

تم نشره في الأربعاء 12 نيسان / أبريل 2017. 11:06 مـساءً

نشأت المدرسة مصاحبة للمطبعة، لكن في عصر الشبكية لن يكون في مقدورها  الاستمرار في حالتها وفلسفتها القائمة اليوم، والحال أن قدرتها على الاستمرار لم تعد تعتمد إلا على هيمنة تشريعية اوليغاركية، ولم يعد ثمة ضرورة لذهاب التلاميذ إليها إلا بسبب قوانين التعليم التي لا تعترف بالتعليم والمعرفة والمهارات والقياس والتقويم إلا من خلال المدرسة، لكنها لم تعد قادرة على أن تضيف إلى ما يمكن أن تقدمه الشبكة، وصار ممكنا الاستغناء عنها، بل تحولت إلى عبء على التعليم والتنشئة، فكثير من التشوهات الاجتماعية والمعرفية مصدرها المدرسة؛ التنميط والاستقواء والتنمر والتلقين والهدر والتطرف والكراهية والجنح. ويعود الطفل من المدرسة ليبدأ التعليم الحقيقي في البيت مع ذويه او مع المعلم الخصوصي، ولا يتوقف دور الأسرة اليوم على التعليم الفعلي ومتابعة التلميذ في تحصيله ومشكلاته مع المدرسة، بل وتخليصه من كثير من الخرافات والأنماط والاتجاهات السلبية في السلوك والمعرفة التي يتلقاها في المدرسة.
لكن الأزمة الكبرى للمدرسة مصدرها الشبكية وليس عيوبها الأخرى على خطورتها، فالشبكة توفر اليوم المعرفة والمهارات والمناهج التعليمية بكفاءة عالية وبتكلفة ضئيلة جدا، ولم تعد المدرسة، برغم الإنفاق الهائل عليها، قادرة على منافسة "اللوح الإلكتروني" وتطبيقاته، ففي جيبك اليوم، بفضل هذا اللوح، أفضل الجامعات والمدارس والمحاضرات والكتب والمهارات والدورات بلا حدود ولا انقضاء وبقدر من الأهمية والثراء يساوي مليارات الدنانير، لم تعد المدرسة شرّا لا بد منه، لكنها مؤسسة يمكن الاستغناء عنها، او مراجعتها وإعادة صياغتها إعادة جذرية.
وفي المقابل، فإن الأسرة تزيد أهميتها وقدراتها أيضا، ففي مقدور الوالدين اليوم بالاستعانة بالشبكة أن يوفروا لأبنائهم أفضل أنواع التعليم والإبداع والمهارات والمواهب، وأن يحموهم من التطرف والكراهية والانحراف، وإذا وافقت الحكومة على اعتماد التعليم المنزلي فسوف يكون في مقدور المواطنين توفير تكاليف مالية وجهود وأوقات هائلة، إضافة إلى الوفر في النقل والطاقة، وزيادة فرص تجنب الحوادث والاختناقات المرورية.
وبالطبع، فإن الفكرة ليست إلغاء المدارس ولكن إعادة النظر في فلسفتها ودورها بما يلائم "الشبكية" بحيث يُستغنى عما يمكن أن تقدمه المنصات والمواقع والتطبيقات الشبكية، وأن يطور دور السلطات التعليمية والمدارس في اتجاهات مساندة للشبكة والأسر، مثل التنسيق والإرشاد والتقييم والتدريب والامتحانات والأنشطة والبرامج الثقافية والفنية والإبداعية والعمل التطوعي وخدمة المجتمع.
الأسرة اليوم في عصر الشبكية، وليس المدرسة، هي المركز الأساسي للتعليم والتنشئة ومواجهة التطرف والكراهية والجريمة، وبالطبع فإنها أكثر حماسة ودافعية، ويمكن بإعادة الإنفاق وتوجيهه تدريب الأسر ودعمها لتكون قادرة على تحقيق نتائج تعليمية وثقافية واجتماعية أفضل بكثير مما تقدمه المؤسسات الرسمية والخاصة وبتكاليف أقل بكثير مما يجري إنفاقه.
مؤكد أن الفكرة ليست بسيطة ومباشرة وتنطوي على تعقيدات وتحديات كثيرة، لكننا في النهاية سوف نواجه هذه الحقيقة!

التعليق