"حرية اليهود"

تم نشره في الجمعة 14 نيسان / أبريل 2017. 11:03 مـساءً


يحتفل اليهود في هذا الأسبوع بعيد الفصح العبري، وهو بحسب ديانتهم، يمثل خروجهم من مصر. ولهذا يسمونه أيضا "عيد الحرية"، لأنه حسب روايتهم التوراتية، فإن اليهود كانوا عالقين تحت عبودية الفراعنة. إلا أن الصهيونية تزعم أن اليهود "نالوا حريتهم" مجددا في الكيان الصهيوني. في حين أن المتدينين العقائديين، لا يعترفون بأن هذه هي "إسرائيل الموعودة". ولكن بعيدا عن الدين، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل حقا اليهود "نالوا حريتهم" في المشروع الصهيوني. والسؤال الأساس: هل أصلا اليهود كانوا بحاجة الى هذه "الحرية الصهيونية".
تقول الرواية التوراتية، إن "مملكة إسرائيل" يقيمها المسيح حينما يأتي إلى العالم لأول مرة. وهذا نص توراتي غير قابل للتأويل، كما أن المسيح هو من سيبني "الهيكل الثالث"، ولهذا محظور على اليهود الاقتراب من الموقع الذي كان عليه، أو يعتقدون أنه كان عليه. وأقول هذا لغرض إثبات حقيقة أن الصهيونية ركبت على الموجة الدينية، وكل مشروعها لا علاقة له بالدين.
ولهذا نرى مئات آلاف المتدينين اليهود، من التيار المتزمت، وغالبيتهم منتشرون في العالم خصوصا الولايات المتحدة، يرفضون الاعتراف بالكيان الصهيوني على أنه "إسرائيل". بينما مئات آلاف آخرين من ذات التيار، يعترفون بالكيان ككيان سياسي. وهم يشاركون في الحكم الصهيوني، ولكن في مفترقات معينة يصطدمون مع المؤسسة الحاكمة في ما يرون أنه يناقض جوهر معتقداتهم.
والحركة الصهيونية هي حركة استعمارية اقتصادية أساسا، استخدمت الديانة كتغطية، بعد أن طوعتها بشكل مناقض لجوهرها لتبرر وجودها. ومعروف أن مؤسس الصهيونية ثيودور هيرتسل، كان قد عرض في نهاية القرن التاسع عشر إقامة الكيان الصهيوني في أوغندا الأفريقية. وهذه لم تكن زلة لسان في سياق خطاب سياسي. فالحديث يجري عن الأيديولوجيا الأساس للصهيونية، وهو عرض مشروعا في حينه كشف أكثر حقيقة الهدف الاستعماري للصهيونية، حتى وإن تراجع لاحقا عن استعمار أوغندا.
والصهيونية جعلت من ذاتها الوصي على يهود العالم، بعد أن ادعت أنهم شعب واحد، بينما هم ديانة. ومسألة الوصاية، هي الذريعة للتدخل في شؤون الدول الداخلية، إذ استعانت الصهيونية بمجموعات ضغط أقامتها في الدول الكبرى، وفي صلبها أصحاب رؤوس المال، الذين رأوا أنفسهم مستفيدين من المشروع الصهيوني والكيان الذي سيقوم.
استقدمت الصهيونية ملايين أبناء الديانة اليهودية إلى فلسطين، على أساس اقتصادي، وتحت مغريات اقتصادية. ولكن واقع الحال يؤكد أن الصهيونية جعلت من هؤلاء اليهود رهائن لديها، تفرض عليهم أجواء الخوف من الغير، وأن حياتهم مضمونة فقط في الكيان الإسرائيلي، وعليهم أن يتمسكوا بمبدأ القوة والاحتلال والاستيطان، لأن فقط في هذا خلاصهم من الأخطار. وهم رهائن لدعاية سياسية وغسل دماغ على مدار الساعة، وفي جميع مناحي الحياة.
حسب الاحصائيات الصهيونية فإن عدد اليهود في العالم 14 مليونا، وغالبيتهم، بمعنى 8 ملايين منهم يعيشون في أوطانهم، وليسوا مستوطنين في فلسطين. وإذا كانت الصهيونية تدعي أنها حامية الحمى لليهود في العالم، فيكفي أن نقرأ تقارير صادرة عن مراكز تابعة للوكالة الصهيونية، وأبرزها ما يسمى "معهد سياسة الشعب اليهودي"، الذي يرأسه المستشار الرئاسي الأميركي دينيس روس. فعدد ليس قليلا من التقارير السنوية والدورية، تقول إن يهود العالم يدفعون ثمن السياسات الإسرائيلية، سياسة الاحتلال والعنصرية. وإن سلسلة من القوانين العنصرية وملاحقة المراكز الحقوقية "باتت تحرج" اليهود في أوطانهم.
أحد المقاييس التي تفحصها الصهيونية بشكل دائم، هو مدى قرب اليهود للمؤسسات الدينية واليهودية في أوطانهم، كمؤشر لما هو أهم من ناحيتها: أي مدى قربهم للصهيونية ولمشروعها إسرائيل. واستنادا لتلك التقارير الصهيونية، فإن الغالبية الساحقة من يهود العالم ليس في واردهم الصهيونية ولا إسرائيل، وهذا يبرز بشكل كبير في الولايات المتحدة الأميركية، التي تشكل المركز الثاني لأبناء الديانة اليهودية في العالم (5,4 مليون نسمة)، وكذا بالنسبة لفرنسا حيث يعيش 480 ألف فرنسي يهودي. وتقول هذه التقارير، إن الابتعاد عن الصهيونية وإسرائيل يتزايد أكثر لدى الأجيال الشابة، التي تعيش الغالبية الساحقة جدا منها بعيدة عن الصهيونية ومآربها.
لذا فإن ادانة يهود العالم، وتوجيه الغضب عليهم بسبب جرائم الصهيونية هو خطأ يخدم الأهداف الصهيونية.

التعليق