نادر رنتيسي

لا شيء في الخارج

تم نشره في الثلاثاء 4 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً

خرجتُ متثاقلاً إلى الحياة. لم أغلقْ بابَ الشقة الصغيرة ورائي، وتركتُ التلفازَ مفتوحاً، متيحاً لأيِّ ممثل حريّة أنْ يُكمِلَ دوره المركّب في فيلم من الواقعية الشديدة، أو يتبعني. مشيتُ بلا حذر زائد في الشوارع الحارة، مُغلقاً هاتفي المحمول، حملتهُ فقط لأجعلَ من شاشته السوداء مرآة، لضرورة واحدةٍ فقط: أنْ أتأكد أنّني الذي خرجَ من البيت، وليس الممثل ذا “الوجه الجديد”!
دخلتُ إلى السوق المُكوّنِ من أسواق غير متجانسة: “المول”. لستُ كائناً كهفياً لأزعم أنها المرة الأولى، فعلتُ ذلك كثيراً، ففي يوم أمس ابتعتُ شفرة للحلاقة، وقبل يومين اشتريتُ مشطاً، وأشياء أخرى في الأيام الماضية تؤكِّدُ أنني إنسانٌ بصفة “مزاول للحياة”. لكنها المرة الأولى التي أدخلُ فيها “المول” برغبة التعرف إلى الناس الذين يأكلون على طاولات مشتركة، ويعتذرون لبعضهم في التصادم غير المقصود، ويبتسمون.. ولي رغبة بأنْ يبتسمَ لي أحد!
لم تبتسم لي “ماريا”، الشقراء. تعمّدتُ الاصدامَ بها، لنستأنفَ الحديث بلغة وسيطة عن عادة حبيبها السابق في تناول الحبوب المؤذية. تأمّلتني كأنّها لا تريدُ أنْ تعرفني وواصلت المشيَ بدون أنْ ترفقَ بشفتيها الابتسامة الدّارجة. مشيتُ أيضاً، وعند متجر الذهب الأبيض رأيتُ الآنسة “لنا”، تتأمّلُ عقداً منحنياً، وقفتُ بجانبها بحركة مرحة، وتوقّعْتُ أنْ تستديرَ نصفَ استدارة، وتضع كفّاً صغيرة على فمها لا تخفي الدهشة، لكنّها استدارت إلى الجهة الأخرى، ولم تتوقف للحظة لأؤكِّدَ لها نصحيتي السابقة بأنْ تقبل بالذهب الأصفر مهراً!
السيدة الوقورة “عفاف”، تجاهلتْ ابتسامَتي الموزونة للترحيبِ بها. اتخذتْ خطواتها الهادئة درجة الهرولة، ولم تنتظر لأجيبها عن سؤال وجّهته لي قبل أيام. سألتني إنْ كان الحبُّ يُصابُ أيضاً بأعراض الشيخوخة، وتركتْ توصيفاً رجتني أنْ أبدي رأياً فيه: قالت إنّ فرحها يتعرَّضُ دائماً لنكسة سريعة، تماماً كما يموتُ متشافٍ من السرطان بحادث سير، وأردتُ أن ألحق بها، لكنّ هرولتها أصبحت ركضاً. “الأخ عبد الحميد” أنكر كذلك أنّ بيننا معرفة سابقة، أو اختلافا فاسدا للودِّ، اعتذر بأدب أكاديميٍّ فاتر، وأخبرني أنّ لديه محاضرة لتعريف “الشخص المنبسط”!
لم تردّ “سعاد” على تحيّتي، بقيت كفي “مبسوطة كلّ البسط”، مرّت بجانبي كأنّا غريبين ولم تجمعنا “أم كلثوم” في “ميعاد فات”، وهذه السيدة التي تدخل الأربعين، دعتني لأنْ أكفّ عن إيقاف الناس بشُبْهة “الشبه التاسع والثلاثين”. لا أحد يريدُ أن يعرفني في هذا “المول”، حتى حين جلستُ على طاولة الطعام المشتركة مع الفتاة الغينيّة الرفيعة، وذكرتها بأنّ حواراً جرى بيننا قبل عامٍ وانتهى بقبولي الممانع لصداقتها. حملتْ صينيّتَها من الطعام المهدرج، وغادَرَتْني إلى طاولة لا تقبل “الشراكة”!
جلستُ على مقعد حديديٍّ في المول، وحيداً كقشّة خارجة قسراً من طبق العدس الأحمر. أعدتُ تشغيلَ هاتفي، أضاء على مهل، كأنّ ثلاثة حِبال من الشمس دخلتْ غلابا إلى كهف مسحور. بدأ تطبيق “واتساب” بالعمل، وجاء أول إشعار من “ماريا”، ابتسامة وغمزة، ثم دخل تطبيق “فايبر” حيز الفعل، فجاءتني رسائل متتالية من الآنسة “لنا” تحتفي باللون الأصفر، ثم بدأ “تويتر” بالتغريد، واستهلته باقتضاب شديد السيدة الوقورة “عفاف”، بعبارة ملغزة: “لا شيء في الخارج”، وفي “فيسبوك” رأيت أربع رسائل غير مقروءة، من “الأخ عبد الحميد”، و”سعاد”، وسيدة تمشي مثل كرمة، وفتاة غينية أرسلت لي مجدداً عرضاً مختصراً للزواج!

التعليق