ترامب وروسيا وملكة جمال العالم

تم نشره في الأربعاء 12 تموز / يوليو 2017. 11:03 مـساءً

يتفاعل الآن في الولايات المتحدة ملفان يعكسان أسوأ أنواع انحرافات الليبرالية، وتحديداً تحالف النخب الرأسمالية العالمية مع بعضها (مجموعة دونالد ترامب مع الرأسماليين الروس)، لتحقيق الموقع السياسي. وكذلك عملية إلغاء القوانين وتحرير الأسواق لصالح وبواسطة رجال أعمال، في المقابل فإنّ قدرة الصحافة والإعلام على فضح كل شيء تقريباً، تعكس أحد أفضل أوجه الليبرالية، من حرية المعلومات والديمقراطية.
كان رائد الليبرالية، آدم سميث
(1723 -  1790)، يحذر بشدة من تحالف رجال الأعمال مع السياسيين، فيقول "المهندسون الأساسيون" للسياسة في انجلترا هم التجار وأصحاب المصانع، الذين استخدموا سلطة الدولة لخدمة مصالحهم بغض النظر عن "فداحة" ضرر النتائج على الآخرين، بما في ذلك شعب انجلترا". ويقول: "نادرا ما يجتمع أهل تجارة واحدة مع بعضهم، حتى للمرح والترويح، ولكنهم عندما يجتمعون فإنّ النتيجة مؤامرة ضد العامة، أو تواطؤ على رفع الأسعار".
لاحقا نشأت فئة أسماها كارل ماركس، بالاقتصاديين المبتذلين، الذين يجيزون لرجال الأعمال كل شيء، باسم حرية السوق والاستثمار.
الآن تنشر الصحافة الأميركية تفاصيل لقاءات او اتصالات ابن ترامب مع ابن أحد رجال الأعمال الروسيين "آراس أغالاروف" الذي يعمل في العقارات، فيما يعمل الابن (إمين) في الغناء). ويسمى أغالاروف الأب، أحياناً باسم "دونالد ترامب روسيا"، لتشابه طريقة العمل والاستثمارات في العقارات، والذي يحتفظ أيضاً بعلاقة مميزة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وحصلت شركته على عقود حكومية روسية كبرى. وسبق أنّ تعاون أغالاروف وترامب، في برامج إعلامية وتلفزيونية، منها محاولة نقل مسابقة ملكة جمال العالم إلى روسيا. (تسليع الجمال أحد المآخذ الأخرى التي تنسب للانحراف الليبرالي).  وفي اتصالات الابنين ببعضهما، عرض إمين تزويد حملة ترامب الانتخابية بوثائق "قذرة" عن منافسته هيلاري كلينتون، وهو ما استقبله ترامب الابن بسعادة.
يتحفظ الليبراليون، وكل النظريات الاقتصادية تقريباً، على أنماط اقتصاد تأتي بريع وربح من دون إنتاج ومن ذلك تأجير العقارات، وهذا ما يعمل به كل من ترامب وأغالاروف.   
بالتوازي مع هذه المعلومات نشرت نيويورك تايمز، تقريراً موثقاً مطولاً، عن عملية تحرير الأسواق التي تقوم بها فرق من عشرات الأشخاص، تحت إدارة ترامب، وهي العملية التي تسمى إلغاء الأنظمة Deregulation. وهذه العملية هي ما يدعو إليه الليبراليون الجدد الذين نجحوا بالصعود منذ الثمانينيات، بعكس ليبراليي الثلاثينيات وحتى السبعينيات، الذين آمنوا بدور مهم للحكومات والدول في السوق وتقديم الخدمات. ويعتقد أنّ الأسواق المنفلتة من أي رقابة أو نظام هي سبب أزمة الرهن العقاري العام 2008 التي أدت للأزمة المالية العالمية. وطوال ثمانية أعوام قضاها باراك أوباما (الذي يعتبر ليبراليا تقليديا يؤيد دور الدولة النسبي)، في البيت الأبيض دخل في صراع مع الذين يريدون تحرير الأسواق كلياً، ويريدون خصخصة كل شيء خصوصاً الصحة والتعليم. وهؤلاء تعاقدوا مع شركات إعلامية وعلاقات عامة وضغط لترويج وجهات نظرهم والضغط لصالح الغاء الأنظمة، ليعملوا في الأسواق دون قيود. وبحسب تقرير نيويورك تايمز، هذا الأسبوع، لا تجد هذه الشركات آذانا صاغية في حكومة ترامب وحسب، بل وأيضاً عُين جزء منهم أو مقربون منهم، في لجان إلغاء وتقليص الأنظمة. وفيما ترفض الأجهزة الحكومية كشف أسماء العاملين في هذه اللجان، لجأت نيويورك تايمز لطرق صحفية منها مثلا فحص وتصوير سجلات الزوار للمؤسسات الحكومية لتجد عدد الزيارات الهائل التي يقوم بها العاملون في جماعات ضغط "تحرير السوق" لهذه المؤسسات مؤخرا.  
ما يحدث في الولايات المتحدة الأميركية عادة له أهمية مزدوجة، فهو جزء من التاريخ النظري للأفكار، لذا فأي باحث في النظرية الاقتصادية السياسية، يجد فيما يحدث هذه الأيام من وصول رجل الأعمال العامل في مجالي العقارات والترفيه بالدرجة الأولى للحكم، بمساعدة محتملة من رجال أعمال أجانب، ليقوموا بتغيير قواعد السوق، أو إلغائها لصالحهم، مادة غنية للبحث وفهم الاقتصاد السياسي الراهن. وثانياً، تنتقل في العادة الممارسات والقوانين والثقافة الاقتصادية من الولايات المتحدة للكثير من الدول حول العالم، ولكن الصحافة الحرة موجودة في الدول الاخرى بدرجة أقل، أي تنتقل مساوئ الليبرالية بدرجة أكثر مما تنتقل محاسنها.  

التعليق