سائد كراجة

أولوية الحرية عند منيف الرزاز

تم نشره في الثلاثاء 18 تموز / يوليو 2017. 11:04 مـساءً

شغل المفكر السياسي منيف الرزاز منصب أمين عام حزب البعث بشقيه السوري والعراقي، وسجل تجربته عن مسيرته النضالية تلك، في كتاب صدر العام 1966 بعنوان "التجربة المُرة"، وهو نقد عميق لتجربة حزب البعث، ويعتقد أن هذا الكتاب هو الذي وضعه في الإقامة الجبرية في العراق، حتى قضى هناك في العام 1984. ولعل الدارس لفكر وإنتاج الطبيب المفكر منيف الرزاز، يتبين أنه آمن بوحدة عربية تختلف جوهرياً عن تلك التي نادت بها الحركات القومية العربية، ولعل وجه الاختلاف الجوهري، أن منيف الرزاز وضع الحرية أولوية مطلقة، وشرطا سابقا ولازما لنهضة الأمم والشعوب، وهو ما لا توافقه عليه الحركات والأحزاب القومية، التي رفعت شعارات مثل "أولوية التحرر" و"أولوية الوحدة". ولقد شغلت مسألة الحرية ومفهومها وأزمتها بال المفكر منيف الرزاز، ووضع لهذا كتاباً مرجعياً بعنوان "الحرية ومشكلتها في البلدان المتخلفة"، ولعل من أهم أفكار هذا الكتاب التالي:
• الحرية مفهوم إنساني أصيل، وهي صنو صفة البشرية، والحرية كمفهوم وممارسة هي نتاج حضاري بشري، وهي بهذا حق حضاري لكل أمم الأرض. وقد قطع المفكر منيف الرزاز بهذا المفهوم، الجدل القائم حول تأصيل الحرية ومحاربتها باعتبارها قيمة غربية، وأكد على حق شعوب "الدول المتخلفة" بنقل تجارب الأمم الأخرى حول الحرية، مع التأكيد على ضرورة تبييء مفهوم الحرية وفقاً لتجربة كل شعب على حِدة، على أن لا يكون تبييء مفهوم الحرية مبرراً لوضع قيودٍ على الحريات وتفريغها من محتواها، ولا على حرية الأفراد باعتبار ذلك أساس أي نهضة للشعوب وشرط لازم لها.
• كما حسم منيف الرزاز الجدل القديم الجديد حول أولوية الخبز والحرية، حيث أكد وبحق أن الحرية السياسية والحرية الاقتصادية هما وجهان لقيمة إنسانية واحدة، وأن علاقة الخبز؛ "الحرية والاستقلال الاقتصادي" مع الحرية السياسية؛ "الديمقراطية" هي علاقةٌ تكاملية، بحيث أن كلا منهما تكمل الأخرى وهي للأخرى شرط ضروري وترتبطان ببعضهما بعضا وجوداً وعدماً، ما يجعل هذا السؤال حول أولوية الخبز أم الحرية من الأسئلة المزيفة التي تقع في باب التحايل والتأجيل لحق الشعوب في ممارسة الحرية وعيشها.
• التحرر من الاستعمار العسكري أو الاقتصادي أو السياسي لم يكن ولن يكون بديلاً عن الحرية، وأن التحرر من الاستعمار بدون حرية وديمقراطية للشعوب، أخرج الأوطان العربية من تحت نير الاستعمار الأجنبي، لتخضع لنير أنظمة مستبدة غير ديمُقراطية غيبت المشاركة الشعبية عن الحكم. ولعل واقع الشعوب العربية اليوم يدفع ثمن تأجيل مشروع الحرية، حيث خسرت الأمة الوحدة، والاستقلال كما خسرت الحرية.
• والأهم في كتاب الدكتور الرزاز صرخته المدوية عبر كتابه وجلّ إنتاجه الفكري حول أولوية الحرية كشرط مسبق لأي جهد نهضوي أو إصلاحي، ولعل ميزة هذا المفكر العربي أنه أطلق هذه الصرخة في ظل أنظمة وأحزاب شمولية حملت الشعارات الوطنية للأمة ولكن مارستها – سواءً بنقاء ثوري أو بعمى سياسي- بعيداً عن قيمة الحرية، ولقد قال الرزاز بأولوية قيمة الحرية في وقت عزَ فيه الخطاب. ومن المؤسف أن صرخته عن أولوية الحرية لم تجد صدى، فقد استشعر بحسه السياسي والفكري أن تحدي النهضة الذي تواجهه الأمة يتجاوز أن يكون تحديا لتطبيق الديمقراطية واطلاق الحريات السياسية وأيضاً يتجاوز ضرورة الإيمان وتقوية دور الأحزاب السياسية وهو بالضرورة يتجاوز التحرر والاستقلال الاقتصادي واعتماد الأمة على ذاتها اقتصادياً، لتكون النهضة في جوهرها إيمانا حقيقيا فعليا من قبل الأنظمة والجماهير بالحريات الفردية وحق المواطن العربي باختيار نمط حياته ومسيرته الشخصية وطرق مشاركته بالحياة العامة بعيداً عن استبداد الأنظمة ودكتاتورية الأغلبية والأيدلوجيا، وفي ظل حماية سيادة القانون ومؤسسات الدولة المدنية باعتبار أن حرية الفرد المواطن هي جوهر بناء الأُمم وأساس المصلحة الوطنية.
الحرية كما استشرفها منيف الرزاز ليست أيدولوجيا ولا برنامج حزب ولا هي أيضا منّة او فضل من أنظمة الحكم أو الأحزاب، بل هي حق المواطن وأولوية على جميع الأولويات. ليس لأي مشروع إصلاحي أو نهضوي أمل بدون الإيمان بأولوية الحرية باعتبارها أساسا متفقا عليه بين الأنظمة وبين جميع فئات الشعب بغض النظر عن معتقداته أو أيدلوجياته.

التعليق