الوهم المرضي خوف وقلق وتعطيل فعلي للحياة

تم نشره في الأحد 30 تموز / يوليو 2017. 11:00 مـساءً
  • الخوف من المرض يقود إلى الكآبة والشعور بعدم الأمان - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- يعلن حالة الطوارئ بمجرد إصابته بالزكام. يخاف يقلق تتملكه مشاعر سلبية تحاول أن تقنعه بأن مرضه هذا لن يكون عابرا، بل هو مؤشر على وجود مرض أخطر وأشد فتكا، يشعر بأن حالته قد تسوء في حال لم يذهب إلى الطبيب.
يرفض مطلقا اللجوء لتلك الوصفات الطبيعية المتعارف عليها لدى الجميع، ربما لأنه يستسلم كثيرا للأوهام ويسمح للشك بأن يلغي كليا دور العقل في دحض كل المخاوف والتغلب عليها بعيدا عن المغالاة في التعامل مع الحالة المرضية وإعطائها أبعادا أخرى قد تتسبب في أغلب الأحيان في تفاقمها ومضاعفة الإحساس بالألم فقط، لأنه لم يكن واقعيا واختار أن ينحاز للخوف غير المبرر.
آلام ليس لها أساس من الصحة، تلك التي تحاصره وتحرمه من أن يختبر كل أشكال الفرح، تجعله غير قادر نهائيا على الاستمتاع بحياة تنتظر منه أن يكون جديرا بها، لديه كل المؤهلات لكي يعيشها ويرسمها بألوان تبعث في الروح التفاؤل، لكنه يقرر أن يتخلى عن ذلك كله بسبب شكوك يثيرها هو في داخله. ومن ثم يقنع نفسه بها وكأنها الحقيقة بعينها والتي يغلق عليها تفكيره المحدود.
ويتجاهل بذلك كل ما من شأنه أن يتسرب إلى روحه الواهمة والضعيفة، ربما ليظل محتفظا بمخاوفه التي استطاعت أن تقيده وتحوله إلى شخص مهزوز مغيب لا يقوى على مجاراة الحياة وما فيها من لحظات سعيدة قد لا تتكرر، نتيجة لتمسكه بتكهنات ستأخذ منه الكثير وستزيد من همومه اليومية على اعتبار أنه يخشى أن يهمل صحته، وأن كل ما يفعله هو من أجل أن يبقى متيقظا دائما مستعدا لأي مرض قد يباغته.
مثل هؤلاء تصبح زيارة الطبيب بالنسبة لهم عادة يدمنونها ويرون فيها خلاصهم الوحيد من كل المخاطر التي تواجههم، يجدون فعليا في ترددهم على المستشفيات راحة نفسية وسكينة لم يشعروا بها من قبل. يبحثون في ذلك كله عن إحساس افتقدوه منذ زمن لم يعد موجودا قد يكون تلاشى، لأنهم فضلوا أن يسجنوا أنفسهم داخل دوامة من الشكوك والأوهام التي بمقدورها أن تبعدهم عن تفاصيل كان لا بد لهم أن يعيشوها ويستمتعوا بها كما هي مع رغبة جادة في مقاومة كل الظروف الطارئة التي من الممكن جدا أن تقلب حياتهم رأسا على عقب، وتتركهم قلقين خائفين تحت وطأة الصدمة التي لطالما توقعوا حضورها وبالغوا في طرحها على الملأ.
هم حتى وإن صدقت ظنونهم لمرة واحدة وتحول وهمهم إلى حقيقة لن يستطيعوا على الأرجح أن يتجاوزوا تلك اللحظة المحملة بالقهر واليأس والتخلي عن كل شيء، وكأنهم يبدون موافقتهم الضمنية على تعطيل الحياة بالكامل والتنازل تدريجيا عن أدوارهم التي باتت اليوم مصدر تعب وإرهاق لهم.
حقيقةً إن التوهم بالمرض أو حتى المرض فعليا، لا يعني أبدا أن يلغوا وجودهم ويتبرأوا من طموحهم ومن احتياجهم الدائم للفرح.
بل على العكس هناك في داخل كل واحد فيهم فسحة صغيرة للأمل، تطالبه بأن ينحي وساوسه جانبا، ويحاول ثانيةً أن يغير ما هو فيه من ضيق وانزعاج.
وذلك بامتلاكه القدرة على كسر ما أسند إليه من كآبة أساسها الخوف، الذي بإمكانه أن يحول بينه وبين حياة بأكملها سعى بكل الطرق إلى تشويهها وتعطيلها تماما حتى أنه لم يعد يجرؤ على الاستجابة لأولئك الذين يتمنون إسعاده ويحملون أنفسهم مسؤولية دفعه إلى حيث الأمل والأمان والإيجابية البحتة القادرة على تخليصه من سجن فرضه هو على نفسه ورأى أن عليه أن يقف عند تلك المرحلة المضطربة من حياته.

التعليق