نادر رنتيسي

"رمل الأبحر ترويه الثقات"

تم نشره في الخميس 17 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

أغلقتُ الهاتف، وأرسلتُ إليكِ ابن الجيران النبيه، ليخبرك أنْ تتبعيني، وأوصيته أنْ يضعَ في كفّكِ رسالة مكتوبة على ورقة التين: لقد عدتُ. أعرف يا صديقتي أنّي تأخّرتُ كثيراً، وأحرقتُ سجائر محليّة في محطات الانتظار التعيسة، وهناك عرق ممتد تحت الإبط يدلُّ على أن المشي كان أطول من الطريق. لكنّي وصلتُ، والساعة الآن حسب التوقيت المحليّ لمدينة الزرقاء، الواحدة ظهراً، والشمس بكامل نارها في منتصف آب، في العام الثالث بعد ميلاد “الفاكس”. اتبعيني إلى سكّة الحديد، وإن اختلفنا على المسار، عودي أنتِ إلى القبيلة باتجاه الحجاز، وأصعدُ أنا كالتوبة إلى الشّام.
تعالي نذهب خارج “التغطية”. اقفزي كالطفلة في أول لعبها بالحبلة من فوق خيوط الشبكة، وتعالي منفيّة من الأوطان الافتراضية. المزاجُ صحراوي، ومعي شريط “كاسيت” بجودة مقبولة لـ محمد عبده، و”في ملامحنا من اللهفة ملامح”، تقرئين قصيدة على بحر الرمل: “رمل الأبحر ترويه الثقات، فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن”، وأقرأُ لكِ الصفحة الوحيدة الناجية من اضطراب الريح، فيها تعليق سياسيّ حادّ على “عاصفة الصحراء”، ولن نُطيلَ، سنأكل تمرتين، ونشربُ حليب النوق، والقهوة حلوة بلا سكرّ، ونشعلُ ناراً، وأضمّكِ، كما كان يحدث في الحبّ الذي أخبرنا عنه الرعاة.
لا تقلقي من مرور الوقت، فلن يتقدّم، ولن يتأخّر، وإنْ نقصت الساعة فلا تجزعي، سنملؤها برمل إضافي، رمل ناعم، لا حصاة فيه، ولا فراغ. ولا تفكري بالعودة إلى هاتفكِ، أعرفُ أنّ أحياء كثيرين هناك ينتظرون في غرف الكلام رسالة منكِ ليتأكدوا أنكِ حيّة ترزقين، وجبينك مضاء، ولم تتعرضي لحادث سير، ولم يخطفك قاطعُ الطرق، افترضي في أحد الافتراضات أنّي الذي اختطفكِ، وأنّكِ هنا في الصحراء تحت سلطة الأمر الواقع، وجرى بيننا حبٌّ كما يحدث في أفلام عربيّة سخيفة: امرأة برجوازية تترك القصر من أجل القبو. أحبيني إذن، وهذه الصحراء لن نبني فيها حجراً، ولن تدخلها وزارة الاتصالات!
تعرفين أنّي كتبتُ كثيراً عن الحبّ لكنّي لم أجرّبه، وخرجتُ مرات عديدة من الحبِّ، كما تعرفين، ولا أذكرُ أنّي دخلته، ونقلتُ كلاماً عن الحب، وشعراً عباسياً لكني لم أصدّقه. مشتاقٌ أنا للرّمل، والجلوس على سكة الحديد، بانتظاركِ أو انتظار رسولكِ، وأضجرُ فأدندن بلحنٍ بريّ، وأرمي حصاة باتجاه طائر الدوريّ، وأرسم على الرمل وجه امرأة، وأمنحه ملامحك التي أجهلها، فلا هاتف في كفّي لأعد خطواتك المتبقية، ولا صورة ترسليها لأراكِ قبل الرؤيا. قلبي يا صديقتي مُغبرٌّ، وبيتي كثيب رملي، وأحنُّ إلى الحبِّ الذي كان آخر ظهور له في الخامسة والربع من مساء الثاني من جمادى الأولى، من العام المائة والخمسين بعد الهجرة!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اسلوب شيق (سحر)

    الجمعة 18 آب / أغسطس 2017.
    بعد الانتهاء من قراءة اي من منشوراتك ..
    اشعر بالتعب ..
    فانت تاخذني حيثما تذهب افكارك ويشرد قلمك ثم يعودان واعود متعبة..
    ياله من اسلوب شيق