كتاب "الأمير عبد الإله": صورة من قرب وتحليل دقيق لشخصية الأمير

تم نشره في الجمعة 25 آب / أغسطس 2017. 11:00 مـساءً

عمان -الغد - كتب عديدة اعتمدت جميعها صيغة البحث استنادا الى المراجع المتاحة ومذكرات الساسة العراقيين والمقابلات الشخصية. بخلاف الكتاب الذي نحن بصدده "الأمير عبدالإله: صورة قلمية" الذي اعتمد على تجربة المؤلف كما خبرها هو شخصيا عند عمله في البلاط الملكي سكرتيرا خاصا للملك والأمير خلال الفترة 1958/1957. وتتجلى في طيات الكتاب صورة قلمية للأمير عبدالاله كما رآها المؤلف خلال عمله بمعيتهم ومن خلال التماس المباشر بالعائلة الهاشمية المالكة، وبالتالي فهو يقدم تحليلاً دقيقاً لشخصية الامير عارضا الجوانب الانسانية في سلوكه التي قد تخفى عن الكثيرين، كما يرصد ردود أفعاله العفوية تجاه الأشخاص والاحداث اليومية.
أحداث "مايس 1941"
احداث مايس 1941، والمعروفة بحركة رشيد عالي الكيلاني، هي الحركة التي اطلق شرارتها رهط من الضباط المغامرين، العقداء الاربعة والمشار إليهم كذلك بـ"المربع الذهبي" وهم صلاح الدين الصباغ، فهمي سعيد، محمد سلمان وكامل شبيب، من إسقاط الحكومة الشرعية التي كان يرأسها الفريق طه الهاشمي وإجبار أعضائها وأركان النظام على الهروب الى البصرة، وإعلان ما يعرف بـ"حكومة الانقاذ الوطني" برئاسة الكيلاني، وكانت من أولى الخطوات التي اتخذتها دعوة مجلس الامة (البرلمان) للانعقاد، حيث صوت المجلس بالاجماع على إقالة الوصي على العرش.
لاقت الحركة الوطنية قبولا شعبيا عارما باعتبارها حركة مناوئة للإنجليز دون ادراك لتداعياتها الخطيرة.
كان اتون الحرب العالمية الثانية (1939 ـ 1945) ما يزال مشتعلا على جميع جبهات القتال. انحاز زعماء الحركة لألمانيا الهتلرية ـ دول المحور ـ في ظنهم أن المانيا النازية التي دغدغت مشاعر العرب بإعلانها الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في مطالبه المشروعة بوطن بعد استقبالها بحفاوة بالغة لمفتي القدس الشيخ امين الحسيني ـ وهو لاعب فاعل في حركة الكيلاني ـ هي في طريقها لتحقيق النصر المؤزر على "الحلفاء" بعد أن غزت ألمانيا روسيا في حزيران 1941.
إلا ان حسابات "الحقل" لم تتطابق مع حسابات "البيدر" بانتصار الحلفاء الكاسح في نهاية المطاف.
تحفظت الحركة الوطنية بشدة على أحد بنود المعاهدة العراقية ـ البريطانية للعام 1930 والتي تسمح بمرور القطعات العسكرية البريطانية عبر اراضيها في طريقها الى الهند. استشاط الانجليز غضبا لذلك وقاموا باحتلال البلاد من جديد ـ معركة سن الذبان ـ ودك الطيران الحربي الملكي البريطاني RAF العاصمة بغداد بعد ان كان العراق قد تمكن بجهود رجاله من الرعيل الاول ـ الملك فيصل الاول ـ من نيل اسقلاله بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني وقبوله عضوا في عصبة الامم العام 1933.
انهارت حركة مايس بعد شهر من اندلاعها وهرب زعماؤها الى ايران.
عاد الوصي، الامير عبدالإله الى البلاد بعد انهيار الحركة، ألقي القبض لاحقا على زعماء الحركة من الضباط وسيقوا الى المحاكم العسكرية التي قضت بإعدامهم.
أعلنت الأحكام العرفية في البلاد لحين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها وتشكيل حكومة توفيق السويدي عام 1946 التي اخذت على عاتقها صيانة الحريات العامة والاحتكام الى المواد الدستورية (القانون الاساسي).
جاء إعدام "العقداء الأربعة" نذير شؤم ليدق أول اسفين في نعش النظام، اذ تسببت في خلق نقمة كبيرة بين صفوف ضباط الجيش (الضباط الاحرار لاحقا) ليبلغ الاستياء أوجه صبيحة 14 تموز 1958، حين أطيح بالعائلة المالكة في مجزرة قصر الرحاب إيذانا بولادة النظام الجمهوري.
هناك من يحمل الأمير عبدالاله المسؤولية لما آلت اليه الأمور، لا سيما في قسوة تعامله مع ضباط الحركة.
إن اتهام الامير عبدالاله بـ"اللؤم" كما ينعته خصومه هو تعميم فضفاض. يروي لنا الاستاذ عطا عبدالوهاب، السكرتير الخاص للمغفور له الملك فيصل الثاني والأمير عبدالاله عن لقاء جمعه بالأمير عبدالاله في واشنطن العام 1952، إذ سأله الامير: كيف تنظرون لي انتم الشباب؟ فأجابه "نحن الشباب نعتبرك لئيما! فاعتدل الأمير في مجلسه مجيبا: أنا لئيم؟ كيف هذا وأنا اعدت للخدمة العديد من رجال رشيد عالي الكيلاني.
إلا ان الصورة سرعان ما تبددت بالنسبة الملك "فقد كشفته شابا دمثا سريع البديهة وممتلئا بآمال الخدمة العامة".
أما صورة خاله الأمير "وهو لا يدخل القلب رأساً فقد خبرته عند العمل بمعيته انه رجل دولة من الطراز الاول. كما وجدته ملما بشؤون البلاد والعباد ومطلعا على نواحي الإعمار بكافة تفاصيلها وهو يتمتع بذكاء البداوة الفطري".
العمل في البلاط الملكي
كان يحدوني الامل عند الالتحاق بالعمل في البلاط الملكي سكرتيرا خاصا للملك والأمير تطبيق فلسفة قوامها تطبيق الدستور بكافة بنوده تطبيقا سليما بحيث ان الملك يملك ولا يحكم والاحزاب مجازة والصحافة حرة والحريات مصونة والوزارة تتألف من حزب الاغلبية الذي تفوز بانتخابات حرة نزيهة.
الا ان ما كان يؤرقني هو وجود زعيم المعارضة كامل الجادرجي، زعيم الحزب الوطني الديمقراطي، خلف القضبان. وكنت كلما سنحت الفرصة اكلم الوصي بضرورة اجراء تسوية بين الحكومة والمعارضة يتنازل فيه الجانبان عن سقف مطالبهم العالية. كان الامير يصغي بإمعان، بيد انه كان يضيف "لو ان الشعب العراقي يدرك المصاعب والتحديات التي نواجهها كان قد اعذرنا".
وبالعودة الى الجادرجي، كان الاخير قد ابرق من القاهرة برقية إبان العدوان الثلاثي العام 1956 مفادها ان الحكومة العراقية ضالعه في مساندة اسرائيل من خلال ضخ النفط عبر ميناء حيفا. وعندما اتضح بطلان ذلك احيل الجادرجي الى المحكمة التي حكمت عليه بالسجن لمدة 3 سنوات. كنت اثير هذا الموضوع باستمرار مع الامير وقد شعرت بارتياح كبير عندما اطلقت حكومة احمد مختار بابان سراحه في اواخر حزيران العام 1958 ، اي قبل ثورة تموز بحوالي اسبوعين. وقد ساورني شعور بأن خطتي في اجراء التسوية المنشودة قد تكون قابلة للتنفيذ وقد تؤتي أوكلها. (ص 46 – 53)
مستقبل الامير
كان الامير يتحدث مع المؤلف بين حين وآخر عما يريده من مستقبله وكان يقول انه ربى جلالة الملك لمدة 14 سنة تربية حسنة الى ان تولى العرش، وانه يساعده في تحمل مسؤولياته الى ان يتم له الالمام بجميع الامور بشكل واسع، وانه ينوي ان يتقاعد ويغادر العراق، وكان يقول انه يريد ان يستقر في اسطنبول حيث كان محبا لطراز الحياة التركية دون ان يتولى منصبا رئيساً، ما يدحض الاقاويل التي كانت رائجة بأن الامير له طموح في عرش سورية.
من المقترحات التي قدمت للاميرـ جاء بها الى اسطنبول حيث كانت العائلة تمضي اجازتها الصيفية العام 1957 وكنت مرافقا لهم مع الدكتور محمد فاضل الجمالي رئيس الوزراء الاسبق، وكان من جملة المقترحات التي قدمت ان يتولى الامير منصب سفير العراق في لندن لكنه لم يظهر حماسة لهذا العرض اذ لم يكن يريد ان يزيح عمه الامير زيد بن الحسين الذي كان محبا لذلك المنصب بالذات ولا راغبا في منصب سفير العراق في واشنطن. في ذلك الاجتماع مع الدكتور الجمالي عرض هذا الاخير اقتراحا جديدا يتلخص بإنشاء منظمة للشباب يتولى الامير رئاستها، بيد ان الامير عرض اقتراحا آخر مفاده ان يستحدث منصبا جديدا باسم "مفتش الجيش" وقال الامير انه اذا قرر البقاء في بغداد فإن مثل هذا العمل هو اقرب الاعمال الى قلبه لأنه يحب الجيش وتربطه صلات وثيقة بأبرز رجاله، وقد ساهم في بنائه ويريد ان يستمر في الاشراف على تطويره وتسليحه واعلاء شأنه. (ص 58 – 59)
الصيام في شهر رمضان
من الامور التي لم ترد في خاطر المؤلف هو صيام الامير في شهر رمضان، فعندما حل الشهر الفضيل العام 1957 قال الامير انه سيصوم في تلك السنة في الحبانية واصطحبني معه برفقة بعض مرافقيه. كانت قاعدة الحبانية الجوية ومنشآتها قد انتقلت من يد البريطانيين الى العراق سنة 1955(أسوة بقاعدة الشعيبة التي انتقلت الى السيادة العراقية العام 1954) واتضح لي في تلك المناسبة ان الامير يصوم رمضان سنويا، وتذكرت ما كنا نعتقده في شبابنا عندما كنا نسمع ان الوصي غادر الى سرسنك ليصوم رمضان فنرميه بكل ما حرم الله من اشاعات مغرضة كانت تروج في المقاهي رواجا عجيبا. ما ان وصلنا الحبانية كان اول من سأل عنه الامير هو قائد القاعدة الجوية هناك، قائلا: اين هو عارف؟ اي الطيار عارف عبدالرزاق (الذي اصبح رئيسا للوزراء العام 1965)، مرافقه وطياره الخاص سابقا، وقد جاء الرجل مساء فاحتفى به الامير كثيرا وعاتبه قائلا "لماذا انقطعت عنا والأهل يسألون عنك؟" فأجاب معتذرا بكثرة اشغاله في القاعدة وكان واضحا ان كليهما يظهر الود للآخر.
كانت الأسرة المالكة، ملكا وأميرا، ملكة وأميرات، تتفقد من عمل في كنفها من الضباط برعاية صادقة وتسأل عن ناجي طالب وغيرهم من المرافقين السابقين وكلهم من أنجب الرجال وأكفأ الضباط. بيد ان هؤلاء الرجال الانجاب اداروا للعائلة المالكة ظهر المجن صبيحة يوم 14 تموز الدامي. (ص 80 – 81).

* جزء من عرض شامل للكتاب قدمه نجل المؤلف لهب عطا عبدالوهاب في ندوة الثلاثاء خلال حزيران (يونيو) الماضي.

التعليق