خطبتي الأولى أمام العدو

تم نشره في السبت 9 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

لم أستسلم. ليس لاني مصاب بالنصر، فكلما نظرت الى جهة الغرب، هناك حيث مأوى العصافير التي سقسقت في صباحاتها مع تمتمات جدي، وهو يحمل فأسه الى الحواكير، ليشق التراب، ويبذر فيه روحه، كنت ألمح نجمة معلقة في السماء، تنادي علي، لتنزرع على أكتافي، وتطلق ريشها، لكي توقظ في حرارة التحليق.
الحر لا ينهزم..
الحر يبقى محتدما مع ذاته في اكتشاف المدى الذي لا يمكن لكم الوصول اليه، أنتم عبيد العداوة، ترسفون باغلالها، وتأكلون معها على مائدة الكراهية الابدية للحياة.
والحر، يا عدوي، دائما يحلم، أما أنت فأحلامك تتقاضى عنها سرقة أرضي، وبيتي.
لكم رأيتك تحاول سرقة حلمي أيها العدو، لكنك دائما كنت تعود خائبا. ما تزال ملامحك الاولى بالابيض والأسود، وأنت تمخر البحر لتعبر الى شواطئ بلادي، مرتهنة لعبوديتك.
كيف يمكنك ان تغمض عينيك على الوسادة، وأنا هنا، أرسم كل حبة من تراب وطني الذي لم أره بعد؟
اترى تلك الطرقات، الطويلة المتعرجة فوق التلال، تلك التي مشاها أبي، وركض خلف حجلها، ما تزال تنادي على الحجل ليقترب من يد الاب الذي حفظ عن ظهر قلب كل ذرة فيها، وكل غصن شجرة مر عليها، وكل عشبة تنبت في شقوق صخرها، وكل قطرة ندى ترقد على صدر زهرة من زهورها،كان حفظها، من دون ان يطلب منه أحد حفظها.
لا تعتقد بأني نسيت أن لي جميزة هناك، ترقد في قلبها طيور وكائنات لا تعرفها أنت، ولا وجهك المصاب بالانقباض، تلك الجميزة زرعها نبي، أنت تعرف فقط لون دمه، أما انا فقد تشربت تعاليمه، وعلقتها في صدر أبنائي، ليحفظوها، ويطلقوها ذات مساء وانت تنزاح عن ترابي.
لا أتحدث إليك، إنني أخاطب نفسي، طيوري التي علقت في أشجار بيت جدي، أحلامي التي ما تزال تنبض بصوتي وهو يهتف للتلال، أوهامي بان معجزتي ستظهر قريبا.
كل يوم أقرأ اسم فلسطين على أطفالي، نأكل ونشرب ونغضب ونهدأ ونحن نحمل فلسطين بين أجنحتنا الرقيقة.
تنطق طفلتي اسم فلسطين هكذا: فلستين، انها تنطق الاسم الذي نطق به أسلافي من قبل، كأنها تؤكد على حصتي من هواء وطني القريب من البحر، وتحمل في صوتها تاريخ جداتي النبيلات، وهن يعجن العنب في جرون النبيذ، بأقدامهن المعطرة بالزعتر والمريمية.
أما أنت يا عدو، فماذا فعلت للطيور، وللكروم، وللسناسل، وللمآذن والقباب، ماذا فعلت، وضعت لها أرقاما، واستخرجت لها أسماء وهمية، وصنعت لنفسك مكانا في ارض لم تتعرف عليك حين وطأتها، أرض لفظتك كصندوق قمامة يوم اقتربت منها.

التعليق