معالجة الهجرة في منابعها

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

كمال درويش*

واشنطن، العاصمة- تشكل الهجرة خياراً جذاباً للغاية في نظر مواطني الدول الفقيرة في أغلب الأحيان. وكثيراً ما تكون الرحلة إلى بلد جديد محفوفة بالمخاطر، ولكنها تَعِد بفرصة اقتصادية أعظم بكثير: فمتوسط نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات المتقدمة ربما يتجاوز خمسين ضعف مثيله في العالَم النامي (تبعاً لتعادل القيمة الشرائية). وفي العديد من الحالات، يتحسن أمن المهاجرين المادي أيضاً. غير أن الهجرة من منظور الدول المتلقية تظل موضوعاً مثيراً للخلاف والجدال؛ حيث تكافح الحكومات في محاولة للاستقرار على السياسات الكفيلة بتمكين اقتصاداتها من جني الفوائد وتجنب تحمل تكاليف باهظة.
الهجرة موضوع بارز بشكل خاص في المناقشات السياسية الدائرة في أوروبا والولايات المتحدة. وحتى في اليابان، التي أغلقت حدودها إلى حد كبير أمام المهاجرين، كان الاحتياج إلى إيجاد السبل اللازمة للتغلب على مشكلة الشيخوخة السكانية السريعة سبباً في تحفيز مناقشة موضوع الهجرة في الآونة الأخيرة.
في كل هذه البلدان، تميل المناقشة إلى التركز حول ثلاثة مواقف أساسية. يتلخص الأول، الذي تتبناه أقلية صغيرة ولا يحظى بدعم سياسي كبير، في أن الهجرة مفيدة بشكل أساسي لأي بلد متقدم، لأن القادمين الجدد يساعدون على التخفيف من التحديات الديموغرافية ويسهمون في قاعدة المهارات في اقتصاد هذا البلد.
أما الموقف الثاني فهو العكس تماماً؛ إذ يرى أن الهجرة ينبغي أن تُمنَع بكل السبل المتاحة. ويزعم أنصار هذا الرأي غالباً أن المهاجرين يدفعون الأجور إلى الانخفاض، وخاصة عند الطرف الأدنى من توزيع الدخل، مما يقوض مستويات معيشة المواطنين. وهم يزعمون أيضاً أن المهاجرين يُضعِفون ويميعون ثقافة وتقاليد البلد المتلقي، وهو زعم ينطوي على ثِقَل عاطفي كثيرا ما يتجاهله أهل الاقتصاد.
ويقع الموقف الثالث في مكان ما بين طرفي النقيض هذين. فهو يعترف بالفوائد المحتملة المترتبة على بعض أشكال الهجرة، ولكنه يدعو إلى فرض اختبارات كفاءة صارمة، لضمان قبول المهاجرين القادرين على سد فجوة في مهارات البلد المتلقي فقط. وبهذه الطريقة، تعمل الهجرة على تحسين جودة المعروض في سوق العمل وتعزيز القدرة التنافسية للشركات من دون توليد ضغوط ثقافية.
بطبيعة الحال، يبدو هذا النهج مختلفاً تماماً عن منظور بلدان المهاجرين الأصلية، والتي لا تخسر العمالة الماهرة القيمة فحسب، بل وأيضاً أي موارد مستثمرة في هذه العمالة، ولنقل من خلال نظام التعليم. وفي حين قد يستفيد أي بلد من تحويلات المغتربين، فإن المهاجرين وحدهم هم الذين يؤمنون المنافع الإجمالية المترتبة على الانتقال.
على أي حال، عندما لا تقبل البلدان المتقدمة سوى أعداد قليلة من المهاجرين المهرة، فإنها لا تفعل أي شيء لتقليل الضغوط التي تدفع تدفقات المهاجرين، والتي تضم بأغلبية ساحقة أشخاصاً يفتقرون إلى المهارات المطلوبة في البلد الجديد. وهذه الضغوط قوية، كما يتضح من الوضع المأساوي في البحر الأبيض المتوسط؛ حيث توفي أكثر من ألف لاجئ على الطريق الغادر من أفريقيا إلى أوروبا في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام.
إذا سُمِح لهذه الضغوط بالاستمرار، فسوف يشق العديد من المهاجرين طريقهم إلى العالَم المتقدم بطريقة أو بأخرى في نهاية المطاف. وفي حين أن المتسامحين مع الهجرة محقون في أن المهاجرين يساعدون على تخفيف الضغوط الديموغرافية في الدول المستقبِلة، فإن المنادين بالحظر أيضا محقون في أن القادمين الجدد يفرضون ضغوطاً ثقافية كبيرة على مجتمعاتهم الجديدة في أوروبا.
لذلك، ينبغي أن يركز أي حل لتحدي الهجرة على تحفيز التنمية في بلدان المهاجرين الأصلية. وينبغي لأوروبا أن تركز على أفريقيا، المصدر الرئيس لتدفقات الهجرة. ومن شأن تحقيق نمو اقتصادي أسرع في أفريقيا أن يقلل إلى حد كبير من الضغوط التي تواجهها أوروبا بمرور الوقت. وسوف تتطلب تنمية أفريقيا في الأمد البعيد مزيداً من الاستقرار السياسي والسلام بطبيعة الحال؛ ولكن في الوقت نفسه، هناك خطوات تستطيع أوروبا أن تتخذها للمساعدة على حفز النمو.
على الرغم من أن لدى أفريقيا الكثير من الموارد الطبيعية، فإنها تفتقر إلى رأس المال والمعرفة اللازمة لدعم تسارع النمو بشكل كبير. والموارد العامة ببساطة غير كافية لتوفير القسم الأعظم من رأس المال. ولهذا، كما أدركنا مؤخراً، لا بدَّ أن يأتي الاستثمار من القطاع الخاص، وكذلك حال المهارات الحرجة والقدرة على الوصول إلى الأسواق الأكثر تقدماً. ولكن استغلال الاستثمار الخاص يتطلب اتخاذ بعض الخطوات التمكينية من قِبَل القطاع العام، جنباً إلى جنب مع القطاع الخيري، الذي يملك أيضاً قدراً كبيراً من الموارد التي يمكنه أن يسهم بها.
لا يعني هذا أن الاستثمار العام والعمل الخيري يجب أن يدعما مشاريع غير مربحة بطبيعتها. بل الأمر على العكس تماماً، لأن من شأن ذلك أن يجعل الجميع في حال أسوأ في الأمد البعيد. يجب أن يكون الهدف هو تحديد المشاريع التي تكون -هي على الرغم من كونها مربحة اقتصادياً- غير جذابة للمستثمرين من القطاع الخاص، نظراً للحواجز المؤسسية وغير ذلك من الحواجز، ثم العمل على إزالة هذه العقبات.
يتمثل أحد الحواجز التي تحول دون الاستثمار الخاص في أفريقيا في المخاطر. فعندما تعد بيئة الاستثمار غير مؤكدة، كما هو الحال في أغلب الدول النامية، يطالب المستثمرون بعلاوة المخاطر كشرط لتنفيذ أي مشروع تقريباً، حتى في المشاريع التي تحقق معدلات عائد مرتفعة. وقياس مخاطر المشاريع الفردية في نهاية المطاف أمر بالغ الصعوبة في مثل هذا السياق.
يستطيع القطاع العام أن يساعد من خلال تدابير تجميع المخاطر مثل تحمل شرائح معينة من المخاطر أو توفير التأمين. وتجميع المخاطر على هذا النحو، مصحوباً ببناء المؤسسات في مختلف القطاعات (وليس فقط الصحة والتعليم)، يقطع شوطاً طويلاً نحو تعزيز النمو الاقتصادي والتنمية في أفريقيا وأماكن أخرى.
وسيكون الأثر الإيجابي لهذا النهج بعيد المدى -بدءاً بالحد من ضغوط الهجرة. وقد يُصبِح الأثر أعظم إذا استهدف الاستثمار الجديد مناطق تضم أكبر عدد من الأشخاص النازحين والذين ينتظرون الهجرة، كما اقترحت "لجنة النزوح القسري" الجديدة.
ليس النمو المدفوع بالاستثمار بديلاً لحل النزاعات وتحقيق الاستقرار السياسي؛ على العكس من ذلك، لا يمكن دعم النمو وإدامته من دون التقدم على مسار حل النزاعات وتحقيق الاستقرار السياسي. ولكن تعزيز الاقتصاد يمكن أن يخدم كمصدر مهم لقدر كبير من الأمل الذي تشتد الحاجة إليه، وبدء حلقة حميدة من السلام والازدهار.

*وزير الشؤون الاقتصادية التركي السابق والمدير السابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يشغل الآن منصب نائب رئيس مؤسسة بروكينغز.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق