علاء الدين أبو زينة

وما تزال المذبحة..!

تم نشره في السبت 16 أيلول / سبتمبر 2017. 11:08 مـساءً

كانت مذبحة صبرا وشاتيلا قبل 35 عاماً، على مدار ثلاثة أيام بين 16 و18 أيلول (سبتمبر) 1982، من الصفحات الأكثر سواداً في كتاب الذاكرة الوطنية الفلسطينية. لكنها لم تكن في نهاية المطاف حدَثاً منعزلاً عن السياق الفلسطيني المؤلم المليء بالخوف والموت. وحتى قبل نكبة 1948، كان الفلسطينيون ضحية لاضطهاد الاستعمار البريطاني الوحشي، الذي لم يكتفِ باعتقال حريتهم وقتلهم وإذلالهم، وإنما قدَّم وطنهم التاريخي هدية لأناس آخرين بموجب صك تمليك، وعد بلفور، مؤذناً بالمجزرة المستمرة في حقهم حتى اليوم.
في تلك الأيام الثلاثة المرعبة من العام 1982، اجتمعت ثلاث عصابات وحشية على الرجال والأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين العزل في المخيمين: حزب الكتائب اللبناني، وجيش لبنان الجنوبي، وجيش الكيان الصهيوني. وحتى الآن، لَم يُعرف العدد الحقيقي للضحايا في المخيمات المطوقة المعزولة عن الإعلام، والذي وضعته بعض التقديرات ما بين 800 إلى 3500 شهيد. لكن أقارب الضحايا وأبناء شعبهم سيظلون يعانون من التداعيات، خاصة أن العدالة لم تتحقق في حق الجلادين الذين أفلتوا بسهولة من المحاسبة.
قبل صبرا وشاتيلا وبعدهما، ذُبح الفلسطينيون دائماً دون أن يغيثهم أحد. وكأن تاريخهم على مدار قرن تقريباً مختصر في فكرة المخيمات المستهدفة بالمجازر كل الوقت، في الوطن المحتل والمنافي. هناك قتل الفلسطيني اليومي في الضفة الغربية وغزة. وهناك هدم البيوت، والاعتقال الإداري والأسر، وتقييد الحركة، والتجويع، وحرمان الملايين في الخارج من العودة إلى الوطن وتأبيد منفاهم. وإذا كان ثمة تقديرات لأعداد ضحايا صبرا وشاتيلا، فإن أعداد الفلسطينيين الذين فقدوا أرواحهم وفرصتهم في الحياة بسبب الاحتلال منذ النكبة حتى الآن بمئات الآلاف، والعدّ مستمر على مدار الساعة. ولا يُقتصر الأمر على التصفية الجسدية، وإنما يتعداها إلى استهداف النفسية الفلسطينية الجمعية على مدى أجيال محرومة من الحق الإنساني في أن يكون لها وطن تعيش فيه بسلام.
منذ صبرا وشاتيلا قبل خمسة وثلاثين عاماً، لم تحرز قضية التحرر الوطني الفلسطيني أي تقدم يُذكر. وبعد إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت إلى منافٍ أبعد، بالطريقة التي تركت المدنيين عزلاً ومكشوفين أمام القتل في المخيمين، استمرت العملية الناجحة لتصفية ما تبقى من المقاومة بحيث تعمق انكشاف الفلسطينيين فقط أمام تواصُل المجزرة. وكأنما لم يتمّ تعلم الدرس الواضح من صبرا وشاتيلا، حين كان خروج البندقية الفلسطينية هو السبب الأساسي في إتاحة المذبحة بلا مقاومة.
من الواضح في عالَم لا يستجيب لصرخات ضحايا المجازر في كل مكان، أنّ المستهدفين هم المعنيّون وحدهم باجتراح الوسائل للدفاع عن أنفسهم. وإذا لم تكُن لك قوّة، فلا يمكن أن يكون لك حقّ. وقد أوضحت خبرة الفلسطينيين مع "عملية السلام" هذا الواقع كل يوم، حين وثقوا بحسن النية المستحيل للعدو ورعاته، وباحتمال تحصيل الحقوق على أساس صحوة الضمير. ولم ينقذ طوفان التنازلات الفلسطينية والجنوح للسلم آلاف الضحايا في غزة والضفة، من الذين فقدوا أرواحهم أو أطرافهم أو أحباءهم كل يوم. وكانت القضية دائماً خياراً بين شيئين سيئين بنفس المقدار: الموت بلا مقاومة، أو إعطاء احتمال الحياة فرصة بمحاولة المقاومة.
الآن، بعد أن ابتعدَت العدالة كثيراً عن الاقتصاص لضحايا صبرا وشاتيلا، مثلما أُنكِرت على ضحايا دير ياسين ومخيم جنين وغزة، يعود السؤال الذي لا يغيب في الحقيقة عن فحص العبث والجدوى في الخيار السياسي الفلسطيني. وربما يكون الخيار الواضح هو استعادة الوسائل التي يمكن أن تجعل العدو يتنازل عن شيء لا يمكن أن يتنازل عنه بطيب خاطر. وبدلاً من قدر الضحية الأبدية المكشوفة أمام المجازر، فإن الشعوب المحتلة والمشردة لا تملك خياراً ينطوي على أمل سوى المقاومة، والمقاومة فقط، إذا كانت تريد فرصة في الحياة وعدم التسليم بقدر الموت والقبول باستمرار المذبحة.

التعليق