موفق ملكاوي

المجتمعات حين تفشل في عبور التغيير

تم نشره في الأحد 17 أيلول / سبتمبر 2017. 11:05 مـساءً

في دراستها المهمة التي نشرتها مؤخرا في "بوسطن ريفيو"، تشير أستاذة الأدب المقارن والأدب الإنجليزي في جامعة ييل مارتا فيغلرويتش، إلى واحد من أصعب التحديات التي تضطر المجتمعات إلى اختبارها، وهو التغيير.
تستعرض فيغلرويتش واقع بولندا بعد زهاء 3 عقود على انهيار جدار برلين وانحسار الشيوعية في أوروبا الشرقية، وصعود النظام الرأسمالي الذي كان يمكن أن يتطور بشكل طبيعي وصولا إلى بناء نظام السوق الكامل. لكن الباحثة التي تخضع الحياة الاجتماعية من خلال المشاهدة والأدب إلى البحث، تقرر أن بولندا فشلت في "اختبار العبور" نحو الرأسمالية، غير أنها، كذلك، لم تعد اشتراكية، بل أصبحت مجتمعا هجينا.
هذا الواقع لا تختص به بولندا فحسب، إذ قد يكون مقياسا يصلح لأن تقاس به دول كثيرة انفرطت من مسبحة الاتحاد السوفياتي السابق، والتي فاجأها التغيير، فلم تستطع مقاومته، غير أنها لم تستطع أيضا أن تسير به حتى نهايته.
والأمر، كذلك، يصلح لأن نقيس به التحولات الجذرية التي طرأت على المنطقة خلال العقود الثلاثة الماضية، والتي نقلتها من البداوة إلى شبه المدنية، ومن الاقتصاد الريعي الساكن غير المنتج إلى محاولة اللحاق بالدول الاقتصادية المنتجة، وتأسيس نموذجها الإنتاجي الذي يتماشى مع بيئتها. لكن المجتمعات العربية فشلت في تحقيق هذا النموذج، وبقيت تناضل للخلاص من الاقتصاد الريعي دون أن تغادره، كما لم تستطع التحول إلى نظام السوق، ولا أن تخلق لها نمطا إنتاجيا خاصا بها، إلا في حدود استخراج الثروات الطبيعية والصناعات التعدينية، وهو إنتاج قابل للتلاشي والاندثار.
الأخطر أن المجتمعات العربية لم تستطع تحقيق نموذج تنموي واحد في مجموع دولها كلها، خصوصا مع تريليونات الدولارات التي كانت تدرّ على خزائنها خلال حقبة الطفرة النفطية وبرميل البترول مرتفع السعر. والمعضلة الحقيقية أنها اقترحت نموذج "الوظيفة"، وأحيانا "الوظيفة العامة"، عنوانا وحيدا للعمل، وهو وجه آخر للريعية التي أثقلت كثيرا من الموازنات العربية من خلال تضخم الكادر الوظيفي، وجعلتها غير قادرة على الإنفاق الرأسمالي، في حال وجود خطط حقيقية لهذا النوع من الإنفاق، كما جعلت موازناتها التشغيلية تتضاعف باستمرار.
هذا النموذج خلق منافسة مشوهة لدى أجيال عديدة من الشباب، باتت الوظيفة العامة حلمهم ومطلبهم الوحيد، فتم قتل الإبداع والابتكار، ولم تعد الريادة موجودة في أحلامه وطموحاته.
نعم، فشلنا في العبور، فلا نحن بقينا ضمن أنماط البداوة والفلاحة والريعية، ولا استطعنا أن نعبر نحو اقتصاد المعرفة الذي تطغى أدواته الإبداعية والابتكارية على المجتمعات المتقدمة، ولم نتقدم سوى في مجالات وأنماط الاستهلاك، والتي تستطيع الأرقام أن تحكي عنه قصصا محزنة!

التعليق