حاجة الأبناء للاستقلال تبلغ أشدها في سن المراهقة

تم نشره في الثلاثاء 26 أيلول / سبتمبر 2017. 11:00 مـساءً

عمان- ينبغي أن يمدَّ الآباء ولدهم بالعطف بدون أن يكبلوه بحنانهم، وأن يحيطوه بالحب بدون أن يحاولوا الاستيلاء عليه، وأن يسهروا عليه بدون أن يستأثروا به، وأن يحتجبوا شيئاً فشيئاً كلما تدنت حاجته إليهم فرحين بكل خطوة جديدة يخطوها معتمداً على نفسه ليقف ثابتاً على قدميه.
وأن يستمر الآباء على هذه الطريقة إلى أن يأتي يوم يدعونه فيه ابنهم يذهب في سبيله، بعد أن يكونوا قد أعدوه لذلك الاستقلال خير إعداد بدعمهم المتواصل لشخصه، وإيقاظهم الدائم لروح المبادرة والمسؤولية عنده.
ويكونون بذلك قد حققوا هدف مهمتهم التربوية، ألا وهو تأهيل الفتى للاستغناء عن مربيه، وهذا ما عبر الذي عبر عنه الدكتور أندريه برج بقوله: "تمتاز التربية عن باقي النشاطات البشرية بكونها عوضاً أن تزيد من سيطرة الإنسان على الموضوع الذي تنطبق عليه، فهي تؤول إلى فصل هذا الموضوع عنه".
هذا الموقف لا يستقيم إلا إذا ابتعدت محبة الأهل لأولادهم عن الاستئثار والاستيلاء، وتخطت تلك النزعة العفوية التي تجعل المرء قابلاً لتقبل الحب من سواه وأكثر مما هو مستعد لمنح الآخرين حبه، وهذا يتطلب تحولاً واهتداء بحيث يسر الأهل بأن يتواروا ويحتجبوا كي يفسحوا المجال لبروز شخصيات أولادهم وتناميها.
وفي هذا موت للأنانية فينا، ولكن في هذا الموت قيامة، ذلك أن الأهل إذا ما استطاعوا نزع روح التملك حيال "فلذات أكبادهم" ناظرين إلى هؤلاء على أنهم أكثر من مجرد أجزاء منهم وأنهم كائنات قائمة بذاتها لها مصيرها الذاتي الفريد، فيبلغون مرحلة الحب المعطاء الذي هو أحد مقاييس اكتمال النضج العاطفي.
ولا بد من الإشارة إلى أن أولادنا يساعدوننا على إتمام شرط نضجنا، وينبغي أن نتقبل ذلك مدركين أن التربية تفاعل بين طرفين، فهي عملية متبادلة، نتربى فيها من أولادنا، في مقابل تربيتنا لهم.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور أندريه "الولد هو القادر في أغلب الأحيان على إتمام تربية والديه وإرشادهم إِلى طريق حياتهم كراشدين، ولكي يحصل ذلك ينبغي أن يكون الأهل منتبهين إلى حاجات الولد الحقيقية، وأن يسمعوا الدرس الذي يقوله لهم. ينبغي أن لا يشعر الرجل والمرأة أنهما مجمدان مدى العمر في الحالة التي وجدوا عليها يوم زواجهما، فقد يكون ولدهما ذاك الذي يمنحهما حظهما الأخير في متابعة تطوراتهما".
حاجة الأولاد إلى الاستقلال
إن حاجة أولادنا إلى الاستقلال، تتعاظم تدريجياً على مدى نموهم، وتبلغ أشدها عندما يدركون المراهقة، وهي دعوة دائمة لنا كي نتجاوز تمسكنا غير الناضج بهم، وما يرافق هذا التمسك من هلع يساورنا من جراء رحيلهم المرتقب، فنحرز تدريجياً الاستقلال لأنفسنا بمقدار ما نمنحه لهم، ونقف على أرجلنا بدون خوف مفرط من الوحدة.
وهذا ما بينه كتاب "أن نفهم والدينا وأجدادنا" للمؤلف جيلبير راباي؛ إذ يقول فيه "الراشدون هم المحتاجون إلى الأولاد، فإِنهم لأجل ذلك ينجبون أولاداً، في حين أن الأولاد لم يطلبوا ذلك منهم، ولكنهم سرعان ما يضطرون إلى تربية والديهم ليساعدوهم على بلوغ الاكتفاء الذاتي والاستقلال، تلك هي مهمة الأولاد الثقيلة! أن يقودوا أهلهم إلى أن يجدوا في ذواتهم ما يحتاجون إليه؛ من أمان عاطفي وتوازن".
وبـهذا الحب الناضج المحرر للطرفين نتوج عملية الإنجاب، ويصبح الآباء واهبي حياة لا يحتفظون بـها، ببخل لأنفسهم، بل يطلقون في الوجود شخصيات مكتملة، قوية، فرحة، حرة، محبة، خلاقة، حينذاك لا يمنحون أولادهم الحياة الجسدية وحسب، بل الكيان المستقل المنتعش الذي يوصلهم إلى عتبة الرشد، فتكتمل مهمتهم الوالدية، وتقر عيونهم بما أنجبوا فرحاً وسعادة غامرين.
ويصف الأخصائي النفسي الأميركي جوان اكيللنفر ذلك، قائلا "ما من فرح يماثل ذلك الذي ينتاب الأهل إذا ما رأوا ولدهم وقد أصبح راشداً متعطشاً للحياة وسعيداً بها، إنهم يدركون عند ذلك أن حياتهم الخاصة إنما هي في صدر اكتمالها في حياة ولدهم".
إن تربية طفل يتمتع بمقدرة على عطاء الحب وأخذه، مسألة تحتاج إلى الإحساس المتوازن من الأب والأم معاً، بحيث يجيد كل منهما التعامل مع مسؤولياته بمعرفة واسعة، وبمتعة وشفافية ما يؤدي إلى تفاعل إيجابي بين الوالدين، تفاعل مبني على الفهم العميق لأهمية بناء هذا الصغير بناءً سليماً وفاعلاً. فتزداد خطوط التواصل متانة، ويتعايش الآباء والأبناء تحت مظلة الأسرة يفهمون جميعاً الحقوق ويميزون من خلالها الواجبات.

عبد العزيز الخضراء
كاتب وباحث تربوي

التعليق