سائد كراجة

التعليم الخاص

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:03 مـساءً

لا إصلاح للتعليم قبل وضع رؤيةٍ متكاملةٍ وشاملة للتعليم في الأردن، وعلى أهمية المبادرات الرسمية والأهلية التي تهدف إلى تأهيل المعلم أو مراجعة أسس القياس والامتحانات، فإن الاتفاق الوطني على رؤية شاملة للتعليم يعتبر ضرورة ملحة، ومستلزما سابقا لأي برنامج إصلاحي، والرؤية الوطنية للتعليم هي اتفاق يحدد التوجه الوطني العام لما يجب أن يكون عليه التعليم في الوطن، ورؤية التعليم بهذا المعنى تنضوي تحتها بالضرورة أشكالُ وأنواعُ التعليم كافة؛ التعليم المدرسي الحكومي والخاص والتعليم العالي، فلا يجوز أن يباشر الإصلاح في التعليم كأنه جزر منفصلة أو بِوهم أن الإصلاح مطلوب فقط في التعليم الحكومي، وكأن التعليم الخاص أو العالي يحصل في دولة أخرى أو يحصل لشعب آخر، لأن ذلك  ينبئ بضياع الجهد وتوهان البوصلة.
والواقع أننا عندما نتكلم في إصلاح التعليم اليوم، فإن الذهن ينصرف عندنا في مجمله إلى إصلاح التعليم الحكومي، وكأن التعليم الخاص خارج هذه الدعوة، وأعتقد أن هذا الذهن ينطلق من واقع أننا ننظر للتعليم الخاص باعتباره بديلا من تراجع التعليم الحكومي، وتعويضا عنه، رغم أن المدارس الخاصة الأولى في المملكة، مثل الكلية العلمية الإسلامية ومدرسة المطران والأهلية للبنات كانت في الذهن والواقع بذات مستوى مدرسة كلية الحسين، ومدرسة السلط، من حيث المناهج والنتائج وتميز المعلمين والمربين، والأهم من ذلك أن تلك المدارس- الخاصة والحكومية- في مجملها كان لها ذات الفضاء المعرفي الوطني وتخرج طلاباً -وإن تمايزت قدراتهم الشخصية -إلا أن لديهم ملامح شخصية وطنية عامة.
يندرج في التعليم الخاص في المملكة اليوم ما يقارب من نصف مليون طالب، والتعليم الخاص ليس تعليماً واحداً؛ ولا ينحصر في العشرين مدرسة الأشهر، فضمن ما يقترب من ثلاثة آلاف مدرسة خاصة فإن تلك المدارس متنوعة مختلفة فمنها مدارس بائسة يستغل فيها المعلم أيما استغلال من حيث -على خلاف القانون- اعتماد أجور أقل من الحد الأدنى للأجور وحيث ينكر على المعلم أغلب حقوقه العمالية مثل الضمان الاجتماعي والإجازات السنوية، وأيضا من هذه المدارس ما يبلغ فيها القسط السنوي مبالغ طائلة نسبة إلى متوسط دخل الأردنيين، وتلك المدارس وإن كانت تعتمد برامج تعليمية بريطانية أو أميركية أو دولية عالية المستوى الأكاديمي لكنها في أغلبها برامج أخفقت عن الاهتمام بالثقافة الوطنية العربية وغرّبت اللغة العربية تغريباً سيحول دون هؤلاء الطلاب وفهم واقعهم وثقافتهم، لهذا تخرج هذه المدارس فئات من الأردنيين وليس مواطنين أردنيين.
ليس سراً أن نقول إن المدارس الخاصة اليوم في مجملها إما أن تكون مدارس عقائدية أو مغربة ثقافياً أو أنها مدارس ضعيفة في التعليم والإدارة، طبعاً - وحيث التعميم أغلوطة منطقية-  فإنه لا بد من القول إن هنالك مدارس خاصة تحاول قدر الإمكان الجمع بين المناهج والامتحانات الدولية وبين تأسيس ثقافة أو رؤية وطنية للطالب. ولا بد من الإشارة إلى ضرورة أن تكون المدارس الخاصة مؤسسات غير ربحية، على غرار الجامعات الخاصة والتي اشترط القانون على أن تؤسس من قبل شركات غير ربحية سنداً للتعليمات الصادرة بموجب قانون التعليم العالي والبحث العلمي، وبذلك  نضمن غياب التجارة عن قطاع التعليم وتكون الإعفاءات الجمركية والضريبية التي تتمتع بها المدارس الخاصة مكرسة لخدمة تطوير العملية التعليمية ذاتها.
نعم؛ التعليم الخاص اليوم بديلٌ عن تراجع التعليم الحكومي، ولكنه في مجمله ليس بديلاً وطنيا ناجحا، ولهذا فإن إصلاح التعليم المدرسي الخاص يجب أن ينضوي تحت رؤية وطنية للتعليم باعتبار ذلك ضرورة وأمرا استراتيجيا، ذلك أن التعليم الخاص والتعليم الحكومي متكاملان لغايات تحقيق المخرجات التي يحتاجها الوطن والمواطن للتعليم وهما من أهم العوامل لتكريس الشخصية الوطنية الحرة المتنورة والمنفتحة على العالم.
 الوزير عمر الرزاز وضع أول متطلب للوصول إلى رؤية شاملة للتعليم، حيث نقل الحوار في مسألة إصلاح التعليم من كونه نزاعا على مستوى الوطن أو أنه نزاع مع الاخوان المسلمين، إلى اعتباره نزاع جميع الأطراف والتوجهات مع كل مظاهر التخلف ومعيقات التعليم، ولعمري هذا إنجاز كبير ولكنه لا يشكل بديلاً من استباق أي برنامج إصلاحي برؤية وطنية شاملة لإصلاح التعليم الحكومي منه والخاص، والله من وراء القصد.

التعليق