"أطباء بلا حدود" تنظم معرضا للصور يروي قصص متضرري مناطق النزاع

‘‘فجر الشفاء‘‘.. صور موجعة تحكي عن معاناة ضحايا الحروب

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:00 صباحاً
  • جانب من صور معرض “فجر الشفاء” الذي يروي معاناة ضحايا الحروب ومنا طق النزاع -(الغد)

منى أبوحمور

عمان- “آخر شي أذكره أنني كنت في سيارتي في عدن وعندما استيقظت شعرت بالألم يعصف بكل جسدي”.. بهذه الكلمات وصف الشاب قتادة، إصابته عندما تعرض للتفجير وهو في سيارته مما تسبب بفقدان يديه وأصيبت ذراعه اليمنى بكسور في حين أصبحت يده اليسرى غير قادرة على الحركة كما بترت كلتا قدميه.
تمكن قتادة من العودة إلى حياته الطبيعية بعد أن تمكن من الوصول إلى مستشفى أطباء بلا حدود في الأردن على كرسيه المتحرك، بعد أن أجري له العديد من العمليات الجراحية لذراعيه من بينها عملية زرع أعصاب.
عودة قتادة لحياته الطبيعية وعمله كان، بالنسبة له، تحديا كبيرا وقصة نجاح حقيقية، حيث أصبح باستطاعته استخدام كلتا يديه والقيام بأعماله اليومية واستخدام الهاتف وارتداء ملابسه، كما قام بتعليم نفسه الكتابة وكلل حبه للحياة بإنجاب طفله الثالث.
تلك قصة من آلاف القصص. خلّفتها حروب وكوارث متتالية عصفت بالمنطقة، لم تكن رحيمة بالمدنيين والعزل، إنما تركت ندوبا في أجسادهم وحسرات في قلوبهم، وخلّفت هموما وحزنا لمن خسروا عائلاتهم وآخرين فقدوا إحساسهم بالحياة.
المعاناة الكبيرة التي عاشها ضحايا الحروب ابتداء من إصابتهم، مرورا بالصعوبات والعقبات التي واجهوها أثناء خروجهم إلى الأردن لتلقي العلاج، لم تمر مرور الكرام، بل كانت محط اهتمام منظمة “أطباء بلا حدود” التي تتبعت مراحل حياتهم بطريقة استثنائية في عمان، وعرضت قصصهم ضمن معرض “فجر الشفاء” الذي افتتح تحت رعاية سمو الأمير الحسن بن طلال في هنجر رأس العين.
وتروي إحدى الصور قصة العشرينية أمل التي أصيبت جراء انفجار سيارة في أحد الأسواق في العراق العام 2014، أفقدها القدرة على حمل الخيط والإبرة وأنهت حلما كانت قد حققته في أن تكون خياطة ماهرة ومحترفة في مدينتها كركوك.
لم تكن إصابة أمل التي تعرضت لها في السوق بسيطة، حيث أدى انفجار السيارة إلى إضرام النار بيدي أمل وصدرها بشكل حاد وعندما حاولت أن تطفئ نفسها أحرقت النار يديها تماما حتى أن ابنها لم يتمكن من التعرف عليها.
لم تتمكن أمل من النوم أو شرب الماء حتى وصلت إلى مستشفى أطباء بلا حدود حيث كانت رقبتها ملتحمة بصدرها ولم تكن قادرة حتى على حك نفسها، إلا أنها تمكنت من التغلب على ذلك الألم والعودة إلى خياطة فستان لابنة خالتها الصغيرة في العراق بعد العديد من العمليات الجراحية التي تبعتها جلسات علاج طبيعي مكثفة مكنت أمل من تحريك صدرها ورقبتها مجددا.
عشر سنوات من الجراحة التقويمية أمضتها “أطباء بلا حدود” في علاج وتأهيل ضحايا الحرب في اليمن، سورية، العراق وفلسطين، تعرض قصص عشرات الآلاف ممن فقدوا جزءا من أجسادهم، لتبقى تلك الذكرى مؤلمة تعصف بأرواحهم المثقلة بالجراح من خلال صور التقطوها خلال رحلة شفائهم تروي قوة إرادتهم وتغلبهم على قساوة الحرب وظلمها.
يروي “معرض فجر الشفاء” من خلال صور التقطها المصور أليسيو مجموعة من قصص ضحايا النزاعات الذين لم تكن الحرب رفيقة بهم، تتبّع من خلالها مرحلة جديدة لضحايا النزاعات التي تلقت العلاج والرعاية الطبية والنفسية في مستشفى أطباء بلا حدود في عمان، ينقل من خلال الصور تفاصيل في حياة الضحايا بعد أن أمضى شهرا كاملا معهم.
وتروي الصور التي عرضت في “فجر الشفاء” قصص تعافي ضحايا الحروب في مناطق النزاع من خلال الصحفية مارتا بلينغريري التي رافقت الضحايا خلال فترة علاجهم.
وفي الجانب الآخر من المعرض تروي صورة مضهور معاناته التي بدأت من سورية في العام 2016 عندما أصيب بقنبلة لم يكن يعلم حينها مصدرها لكثرة الطائرات التي كانت ترمي القنابل حينها.
باغتت القنبلة الفلاح مضهور الحموي أثناء جلوسه تحت شجرة الزيتون مع أبنائه السبعة عندما ضربهم برميل متفجر قتل اثنين منهم.
يذكر مضهور اللحظة التي سقط فيها البرميل الذي أفقده وعية لثلاثة أيام متتالية، حتى استيقظ في مستشفى في حماة غرب سورية وقد فقد عينيه وكانت ساقه اليسرى مهتكة.
لا تزال العمليات التي خضع لها مضهور في مستشفى أطباء بلا حدود مؤلمة، إلا أنه تمكن من السير على عكازات بعد جلسات العلاج الطبيعي المكثفة التي مكنته من المشي بضع مئات الأمتار إلى أقرب مسجد من المستشفى لينعم ببعض الهدوء في الصلاة خلال مرحلة استشفائه.
في حين يصف حيدر الذي يعمل كهربائيا، ما حدث معه في صورة أخرى عندما كان واقفا على رافعة الكهرباء في العاصمة العراقية بغداد، ليصلح بعض الأسلاك عندما انفجرت سيارة بالقرب منه، مودية بحياة الكثيرين.
حيدر والد لطفلين كان بحالة حرجة، فأصيبت ساقه اليسرى بشكل حاد وحصل فيها التهاب وبترت ذراعه، إلا أنه بعد أن تمكن من الوصول إلى أطباء بلا حدود في عمان تم علاج التهاب رجله تماما وتمكن من تحريك ذراعه بشكل مريح، وبدون ألم، وبعد ستة أشهر من إجراء العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي، شعر بعدها أن حياته قد بدأت من جديد.
عشرات القصص روتها اللوحات التي تخللها معرض شفاء الذي يتوجه من خلال صوره إلى كل من يعاني من ويلات الحروب في مناطق النزاع وكل من لا تسمح له ظروفه المحيطة باللجوء إلى مكان آمن لتلقي الخدمة الطبية.
رئيس بعثة أطباء بلا حدود في الأردن مارك شقال صرح لـ “الغد” أن الهدف من “معرض شفاء”، تسليط الضوء على القصص الإنسانية التي خلفت ضحايا وجرحى الحروب في المنطقة، مبينا أن الحرب لا تستهدف العسكريين فحسب وإنما تطال المدنيين والعزل أطفالا ونساء وكبارا في السن.
ويحاول شقال من خلال هذا المعرض أن يوصل للمتلقي وللمجتمع المحلي الغاية من وجود المنظمة وليس تسليط الضوء على إنجازاتها والأعمال التي تقوم بها، ساعيا من خلال المعرض إبراز قصص نجاح الحالات التي تمكنت من القدوم إلى الأردن وتلقي العلاج.
ويضيف “الفكرة من المشروع إلى جانب الخدمة الطبية تأهيلهم نفسيا”، من خلال إلقاء الضوء على قصص حياتهم وتجارب مرضهم ورحلة شفائهم وكيفية تغلبهم على الإعاقات التي خلفتها الحروب في أجسادهم.
ويؤكد شقال أن المعرض لن يتوقف في عمان وإنما سينطلق في الأشهر القادمة إلى دبي وبيروت، محاولا الوصول إلى جميع الأشخاص الذين عاشوا بظروف سيئة وفي مناطق النزاع من خلال التواصل مع المجتمع المحلي واللاجئين في تلك الدول.
ويذكر أن تأسيس برنامج الجراحة التقوﻳﻤية التابع لمنظمة أطباء بلا حدود في 2006، استجابة لارتفاع عدد الإصابات الخطيرة نتيجة الحرب في العراق وبعد أن عصفت النزاعات بالمنطقة، فتح البرنامج أبوابه للمصابين من سورية واليمن وفلسطﻴﻦ.
ويتخصص البرنامج بتقويم العظام وإصابات الوجه والفكين وترميم إصابات الحروق لجرحى الحرب، وعالج برنامج الجراحة التقوﻳﻤية ما يزيد على 4500 مصاب وأجري فيه ما يزيد على 11 ألف عملية جراحية منذ تأسيسه.

التعليق