سائد كراجة

الشعب الأردني الشقيق،،

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2017. 12:02 صباحاً

الاغتراب في الشارع السياسي الأردني ظاهرة ملفتة، ففي الوقت الذي يتفق فيه الجميع على أن تحديات الأردن الحالية وأهمها التحدي الاقتصادي هي تحديات غير مسبوقة، فإن الشارع السياسي الأردني مستقطبٌ حول بشار وحزب الله وإيران وأميركا والسعودية، وهو يمارس في استقطابه فقه "المجاكرة" وفي خضم تلك المجاكرة، تقبع قضايا الأردن اليومية والمصيرية في آخر سلم الأولويات. ويخلط كثيرٌ من النخب بين قضاياه الشخصية ومواقفه الوطنية والسياسية، ومع وعينا لأهمية الموقع الجيوسياسي للأردن ومدى تأثيره على مصالح الأردن وقضاياه، فإنه من غير المنطق أن يشكل الموقع الجغرافي وحده الموقف السياسي للأردن والأردنيين، فالأردن بلد بعمر السبعين ولا يجوز أن يرتهن لحالة جيوسياسية قدرية.
حدود دول الهلال الخصيب كافة من صنع سايكس بيكو؛ فلا العراق الذي رسمته الاتفاقية هو العراق القديم، ولا سورية البعث هي سورية الكبرى، ولا الأردن هي مملكة الأنباط القديمة، فحدود تلك الدول فرضتها مصالح بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وروسيا القيصرية، وهي حدود عبثية وضعت بعقلية قراصنة يقتسمون الغنيمة، ومع أن الأردن يشترك مع بقية دول الهلال الخصيب باعتباره دولة قطرية ناتجة عن معاهدة سايكس بيكو، فإنه عانى ويعاني من سرد سياسي تناقله أبناؤه قبل خصومه، وأعتقد أنه يشكل اللاوعي السياسي  لكثير من الأردنيين ومفاده: "أن الأردن كيان وظيفي مصطنع"، وأنه وجد لحماية إسرائيل. وأيُ منصف يعقد مقارنة بين الأردن وبين الدول العربية المحيطة فإنه سيجد أن الأردن خاض كل حروب العرب مع اسرائيل، لا بل إن الشعب الأردني هو أول شعب عربي قاد نضالاً شعبياً ضد مخططات وعد بلفور، وساند ثوار فلسطين ضد الصهاينة، كما أن الأردن لم يكن أول الموقعين مع إسرائيل على معاهدات سلام،  وأن الشعب الأردني في أغلبه يرفض هذه الاتفاقية ولم يعد مقتنعاً بجدواها.
اليوم يواجه الأردن تحدياً اقتصادياً غير مسبوق، وحكومات ما تزال أضعف من أن تقود حركة تصحيح اقتصادي تغير النهج الريعي السابق إلى نهج يعتمد على  القدرات الوطنية، كما يواجه الأردن مشكلة النزوح السوري وآثاره الاقتصادية والاجتماعية، وثبوت واقع وقف وانخفاض حاد في المساعدات العربية والعالمية، ويواجه أيضاً يميناً إسرائيلياً يلوح بأسطوانته المشروخة حول "الخيار الأردني" والوطن البديل، الأردن اليوم يعيش عصر" الترامبية" الأميركية والعربية، حيث تدار العلاقات الدولية على أساس من "البزنس" وليس على أساس من المواثيق والأحلاف الدولية ولا على أساس المصالح القومية.
أمام كل هذه التحديات لا يجوز أن  تستمر حالة التشظي والاستقطاب في الشارع السياسي الأردني، ولا يجوز أن يستمر خلط القضايا الشخصية بالمواقف الوطنية، ونحتاج إلى سرد وطني يتوافق على أولويات وطنية نابعة من إشكاليات المواطن الأردني وحماية الأردن، وهذا يقتضي الإيمان بالبلد باعتباره وطن الجميع ومصلحة ذاتية لكل مواطن، وإن الحفاظ عليه وعلى ديمومته أولوية مشتركة عند كل الأردنيين وإن اختلفت مشاربهم السياسية والعقائدية، وبالطبع  فليس في هذا أي دعوات للانكفاء أو الإقليمية أو العنصرية. بل هي دعوة لتجديد سرد وطني يُغلّب المصلحة الوطنية على مصلحة الفرد، ويشكل أرضيةً للعمل العام والحزبي للاعتماد على النفس، وهذا يقتضي أيضاً أن تجدد الدولة خطابها نحو مصالحة كاملة بمشاركةٍ شعبيةٍ فاعلة، خاصةً وأن الحكومات المتعاقبة بسلوكها وسياساتها فشلت في خلق سرد وطني جامع يضع مصلحة الأردن أولاً ويكرس حس المواطنة الفخورة وينشر العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
الأردن جذر راسخ، تجاوز الكثير من الصعاب، ولكن معركته اليوم معركة وجودية، ومثل هذه المعارك تدار بشعب مؤمن بالدولة والوطن باعتبارهما حصنه الذاتي الفردي ومساحته السياسية الديمقراطية الآمنة، ببساطة مواقفنا مع كل الأطراف؛ أشخاصاً ودولاً وتحالفات، يجب أن تنبع من مصلحة الأردن وحماية أمنه واستقراره، وإن تلك المواقف يجب أن تدور وجوداً وعدماً مع  مصالحه الوطنية وليس مع ولاءات خارجية، فاهم عليَّ جنابك ؟!.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أتفق وأختلف ولكن (jamal ahmad)

    الخميس 30 تشرين الثاني / نوفمبر 2017.
    من يعلق الجرس ... نهاية مقالك هي الحل "
    وهذا يقتضي أيضاً أن تجدد الدولة خطابها نحو مصالحة كاملة بمشاركةٍ شعبيةٍ فاعلة، خاصةً وأن الحكومات المتعاقبة بسلوكها وسياساتها فشلت في خلق سرد وطني جامع يضع مصلحة الأردن أولاً ويكرس حس المواطنة الفخورة وينشر العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.