حوكمة المصارف الإسلامية.. ضمانة الأداء

تم نشره في الأحد 24 كانون الأول / ديسمبر 2017. 12:00 صباحاً

غسان الطالب*

المراقب هذه الأيام لكتابات المهتمين بالصناعة المصرفية الإسلامية والمنظرين لها يلاحظ الاهتمام الكبير بموضوع الحوكمة وكيفية تطبيقها على المصارف الإسلامية، نظرا للمساحة التي تحتلها في السوق المصرفي العالمي وانتشارها الواسع والسريع، ويقدر أن تصل أصولها مع العام 2020  إلى 4 تريليونات دولار، إضافة إلى الدور الاقتصادي الرائد والمهم الذي تحتله في تقديم التمويل اللازم لاحتياجات العديد من الدول والمساهمة في تمويل خططها التنموية، والسؤال هنا لماذا الحوكمة، وهل تختلف فلسفة الحوكمة في المصارف الإسلامية عنها في المصارف التقليدية ؟ وما هي الحوكمة ؟
فالحوكمة مصطلح يعني بمفهومه العام الإدارة الرشيدة وهي تمثل الممارسات التي ُتدار بها الشركات والقدرة على التحكم الجيد لإدارة أعمالها كما أنها تؤدي إلى عملية توازن بين أهداف الشركة سواء أكانت اقتصادية أو اجتماعية مع مصالح الأفراد ثم الاستخدام الكفوء  للموارد المتاحة من خلال توفير رقابة محاسبية سليمة توفر البيانات المطلوبة كافة للمساءلة عن طريقة إدارة موارد هذه الشركة . بمعنى آخر التوفيق بين أهداف صاحب رأس المال والشركة وأهداف المجتمع المرجوة من قيام هذا المشروع أي أنها تمثل مجموعة من الأسس والقوانين التي تحكم عمل الشركة والنظام المتبع لديها.
إذا هي تمثل مجموعة من الأدوات والإجراءات المنظمة لطبيعة العلاقات بين الأطراف المتمثلة في المالكين للشركة ونظام الرقابة والمسؤولية التي تهدف إلى تحديد استراتيجية فاعلة لأداء الشركة.
وعلى الرغم من حداثة هذا المصطلح وظهور الحاجة إلى تطبيقه في المؤسسات المالية بهدف حماية الأموال الخاصة وضمان سلامة النظام المصرفي خاصة بعد تفشي ظاهرة الفساد المالي والإداري في العديد من المؤسسات المالية الخاصة منها والعامة وهذا ما يفسر أحيانا حالات الإفلاس والانهيار للعديد من المصارف والمؤسسات المالية والتي كانت تمتلك مراكز نفوذ مالي ومصرفي، وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد من منطلق الحرص على تجربتنا المصرفية الإسلامية واتخاذ الإجراءات الاحترازية والضرورية كافة لضبط وسائل الرقابة وتطبيق مبدأ الحوكمة لضمان حماية أصول هذه المصارف وحماية حقوق المساهمين والمودعين وكذلك سلامة المركز المالي لها، خاصة وأن المودعين أصحاب الودائع الاستثمارية يتعرضون لمخاطر كبيرة بسبب طبيعة الاستثمار المبني على أساس المشاركة في الربح والخسارة وهنا نود التأكيد أن أحكام الشريعة الإسلامية صريحة في تحديد العلاقة بين الأطراف كافة المكونة للنظام المصرفي الإسلامي والمتمثلة في العدالة، المسؤولية، المساءلة والشفافية.
إذا الحوكمة في المصارف الإسلامية يحكمها الالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية على عكس ما هو موجود في المصارف التقليدية المبني على هدف تعظيم الربح حيث تلتزم المصارف الإسلامية بمبدأ المشاركة في الربح والخسارة وعدم المتاجرة بالديّن إضافة الى ما تتميز به هذه المصارف الإسلامية من وجود هيئة الرقابة الشرعية التي تعمل على التأكد من مطابقة عمليات المصرف الإسلامي مع مبادئ الشريعة الإسلامية وهذا بحد ذاته يمثل ركنا مهما من أركان الرقابة والمساءلة والشفافية حيث لا تنظر هذه الهيئة إلى الربح المتحقق من العملية بل يهمها مشروعيتها وانسجامها مع الفلسفة الإسلامية مما يؤثر مباشرة على اختيار المصرف لنوع الاستثمار والابتعاد عن ما هو محرم أو يوجد فيه شبهة الحرام وقد يؤدي ذلك إلى انخفاض العائد من عمليات المصرف، لكن في الوقت نفسه فأنه يبعث على الثقة والطمأنينة لدى المودعين ويدفعهم إلى توجيه مدخراتهم إلى المصرف الإسلامي وبالنتيجة يخلق حالة من التنافس الشديد مع المصرف التقليدي.
إن التوسع السريع والكبير في المصارف الإسلامية يتطلب اليوم إعادة النظر في المفاهيم التي بدأت بها المصارف إدارة أعمالها عندما كانت مشاريع فردية وصغيرة الحجم بل أصبحت اليوم من الركائز الأساسية للاقتصاد الإسلامي ولا بد من إيجاد الصيغ التشريعية والرقابية المناطة بالمصارف المركزية لضمان جودة أدائها ويحقق لها المزيد من النجاح وتقديم العمليات المصرفية التي تحقق لها قدر عال من التنافسية.
وحتى تحقق الحوكمة أهدافها لا بد من الأخذ بعين الاعتبار عاملين أساسيين هما:
• العوامل الداخلية والتي تمثل مجموعة من المحددات والقواعد والأسس التي تحدد طرق اتخاذ القرار وعدم التعارض في السلطات الممنوحة لكل من الجمعية العامة ومجلس الإدارة وهيئة المديرين .
• العوامل الخارجية متمثلة في البيئة الاستثمارية في البلد والتي تتضمن القوانين والتشريعات المنظمة للسوق وكفاءة القطاع المالي وقدرته على توفير التمويل المطلوب وكفاءة الهيئات الرقابية وما إلى ذلك.

*باحث ومتخصص في التمويل الإسلامي

التعليق