بعد أن هدأ الغبار.. حديث هادف عن العروبة والإسلام

تم نشره في الأربعاء 31 كانون الثاني / يناير 2018. 12:01 صباحاً

أؤمن بيقين أن أمتنا العربية متفردة في التاريخ الإنساني. أقول هذا ليس من باب التعصب لأمة عربية أعتز بانتمائي القومي إليها، وإنما لأسباب لا أعتقد أن صاحب عقل يستطيع إنكارها، خاصة وأن عناصر هذه الأسباب، شكّلت وما تزال، دوافع كره لدى أعداء الأمة، الذين يخشون اكتمال دورة التاريخ، وانبعاث هذه الأمة من جديد. ولعلّ ما يلي، يحكي لمن يريد أن يعرف مدى الجهل والأمية المعرفية عند من يضعون الإسلام في مواجهة العروبة والإنتماء القومي:
1) إن أمتنا العربية جسد روحه الإسلام، ومن غير الممكن انفصال الجسد عن الروح، أو الروح عن الجسد، إلا عند الحمقى.
2) وقد دخلت هذه الروح جسد الأمة، منذ أن بلّغ وحي رب العباد نبينا محمد العربي الهاشمي بهذا الإسلام، بتاريخ 10/8/610م، أي قبل (1408) أعوام.
3) وقد نزل القرآن الكريم الذي بلّغه الوحي إلى نبينا العربي الهاشمي بلغة العرب، أي بلغة أمة كانت متكاملة التكوين في ذلك التاريخ. أقول أمة متكاملة التكوين، لأن الإفراز المجتمعي للغة مثل لغتنا يحتاج إلى تعايش واختلاط بين من أصبحوا يتحدثونها، لا تقلّ مدته عن بضعة قرون من الزمن.
4) ويؤكد لنا التاريخ أن الأمم من أجيال أمتنا، مثل الأمة الفارسية، والأمة البيزنطية والأمة الرومانية، زالت من التاريخ معتقدا وقيما ولسانا، وتخلّف عنها أجيال تشكل الآن أمما ودولا، يختلف لسانها وقيمها عن ما كان عند الأجداد، في حين أن أمتنا، ظلت مستمرة الوجود، ومستمرة اللغة التي تشكل الوعاء الذي ينقل فيه كل جيل تراثه إلى الجيل الذي يليه.
5) إن رب العزة جل سبحانه في عليائه، قد كرم أمتنا العربية، عندما جعل لغتها هي لغة القرآن الكريم، لتصبح هذه اللغة، مستمرة الوجود مع الروح والجسد إلى يوم يبعثون، وهذا لم يتوافر لأي أمة عاشت على وجه الأرض عرفها تاريخ الانسان.
6) إن المجتمعات التي تتحدث ذات اللغة، تفرز لهجات ضمن هذه اللغة، وعند التباعد الجغرافي بين هذه المجتمعات، كل بكينونة وحدود، تتحول هذه اللهجات مع الزمن إلى لغات تصبح أداة تفكير، ثم يؤدي تعايش مجتمعات هذه اللغات الجديدة، إلى أن تصبح أمما في طور التكوين، ويستقر أمر كل منها كأمة. وهذا، على سبيل المثال، ما حدث مع الامبراطورية الرومانية ذات اللغة اللاتينية، الذي استتبع التطور بعد انهيارها العام 476م، إلى تكون أكثر من (50) أمة، لكل لغتها ودولتها في الوقت الحاضر، وأدخل لهجة اللسان الأميركي على بدايات التطور إلى لغة تتباعد بشكل تدريجي عن اللسان البريطاني. أما الأمة العربية الممزقة بفعل فاعل، إلى (22) دولة، فإن لغتها العربية التي عمّدها رب العباد لتصبح لغة قرآن المسلمين، فسوف تستمر في الوجود إلى قيام الساعة، تتحدى قدرة الزمن على تحويل لهجات المجتمعات المتباعدة لأبنائها إلى غير اللغة الأم.
7) في اعتقادي، لو وجد أي انجليزي أو فرنسي أو ألماني، يوجه السهام إلى أمته، ويطلق على الانتماء القومي إليها سوء العبارات، بسبب انتمائه الديني، لتم أخذه إلى أقرب مصحة عقلية لعلاجه.
وفي ضوء ما سبق، فإن الحديث عن تضاد بين الإسلام وبين العروبة والانتماء القومي، لا يصدر إلا عن أميّة معرفيّة، أوصلت صاحبها مع الزمن إلى معاناة حادة من مرض قادم من توهان ماض لنهج سياسي لم يتعظ من فشله، وما يزال سادرا في غيّه، ونتمنى له الشفاء والهداية إلى الطريق القويم.

التعليق